ثم أخبر عن سر الهبوط مشروطاً بالشروط لقوله تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً} [البقرة: 38] ، الآيتين والإشارة فيهما: أن الله تعالى لما اتبلى آدم بالهبوط إلى الأرض بشر بأن إلهامه ووحيه بالهدى لا ينقطع عن ذريته هداهم بواسطة أنبيائه ووحيه، وإنزال كتبه {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} [البقرة: 38] ، فمن آتاه منك ومنهم من إلهامي ووحيي ورسولي وكتابي {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ} [البقرة: 38] كمن اتبع آدم بالتوبة، والنوح بالبكاء، والاستغفار، وتربية بذر المحبة بالطاعة، والعبودية حتى يثمر التوحيد والرفعة {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 38] ، في المستقبل من وبال إفساد المحبة من طينة الصفات الحيوانية والسبعية، وإبطال استعداد السعادات أبدية باستيفاء التمتعات الدنياوية {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38] ، على هبوطهم إلى الأرض لتربية بذر المحبة؛ إذ هم راجعوا بتتبع الهداية وجذبات العناية إلى أعلى ذورة حظائر القدس كما قال تعالى: {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} [العلق: 8] ، ثم ذكر من كفر بهداه وجعل النار سواه، وقال: {الَّذِينَ كَفَرواْ} [البقرة: 39] ، أي: ستروا بذر المحبة بتعلقات الشهوات النفسانية، وظلموا أنفسهم بتكذيب الآيات البينات من الجهالة الإنسانية متى أفسدوا الاستعداد الفطري {وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} [البقرة: 39] ، على معجزات أنبيائنا بالوحي والإلهام والرشد في تربية بذر المحبة، وتثمير الشجرة الإنسانية بثمار التوحيد والمعرفة والبلوغ إلى درجات القربات، ونعيم الجنان والغرفات {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ} [البقرة: 39] ، نار جهنم ونار القطيعة {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 39] ؛ لأنهم خلدوا في أرض الطبيعة، واتبعوا أهواءهم فما نبت بذر محبتهم بماء الشريعة؛ فبقوا بإفساد استعدادهم في دركات نار الجحيم وخسران النعيم خالدين مخلدين.