فما استقرت حبة المحبة كالبذر في قلب آدم وجعل الله شخص آدم مستقر قلبه، وجعل الأرض شخصه وقال: {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [البقرة: 36] أي: التمتع والانتفاع ببذر المحبة بماء الطاعة والعبودية إلى حين إدراك ثمرة المعرفة؛ كقوله تعالى: {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [إبراهيم: 25] .
وعلى التحقيق ما كانت ثمرة شجرة المخلوقات إلا المعرفة؛ لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذرايات: 56] ، أي: ليعرفون، ثمرة المعرفة - وإن ظهرت على أغصان العبادة - ولكن لا تنبت إلا من حبة المحبة كما أخبر النبي عليه السلام:
"أن داود عليه السلام قال: يا رب لماذا خلقت الخلق؟ قال: كنت كنزاً مخفيّاً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف"ثبت أن بذر المعرفة هو المحبة، فاعلم واغتنم لعلك تشم رائحة فتسعد.
ثم أخبر عن أمطار الإلهام من سحاب الفضل والإنعام على أرض قلب آدم لإنبات حبة المحبة، وتميز شجرة المعرفة بقوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ} [البقرة: 37] .