{وَاللَّهُ غَنِيٌّ} عن العالمين فضلًا عن إيمانهم وطاعتهم، {حَمِيدٌ} : يحمده كل مخلوق بلسان الحال ويدل على اتصافه بالصفات الكمالية أو يحمده أولياؤه وإنا امتنع أعداؤه. والحمد: هو ذكر أوصاف الكمال من حيث هو كمال. ومن عرف أنه الحميد في ذاته وصفاته وأفعاله .. شغله ذكره والثناء عليه.
والمعنى: إن ما حل بهم من سوء العذاب كان من جراء تكذيبهم بالرسل بعد أن جاؤوهم بالأدلة الواضحة والمعجزات الباهرة. وقالوا: إن من العجب العجاب أن يكون هدينا على يدي بشر منا لا ميزة لهم عنا بعقل راجح ولا بسلطان يتملكون به قيادنا ويجعل لهم بسطة النفوذ علينا، كما قالت ثمود: {أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ} ؟! وقد جهلوا أن النبوة رسالة يصطفى بها الله من يشاء من عباده، كما قال تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} .
7 -وبعد أن طال عنادهم وتمادوا في غيّهم .. أهلكهم الله بسلطانه وجبروته وقطع دابرهم واستغنى عن إيمانهم، وهو الغني عن العالمين جميعًا، والغني عن إيمانهم وطاعتهم، وهو الحقيق بالحمد على ما أنعم به على عباده من النعم المتظاهرة عليهم ظاهرة وباطنة.
{زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا} والزعم: ادعاء العلم، فمعنى أزعمُ زيدًا قائمًا: أقول إنه كذا، ففي تصدير الجملة بقوله: أَزعمُ، إشعار بأنه لا سند للحكم سوى ادعائه إياه وقوله به. ويتعدى إلى مفعولين تعدي العلم وقد قام هنا مقامهما {أنْ} المخففة مع ما في حيزها، فـ {إنْ} مخففة لا ناصبة لئلا يدخل ناصب على مثله، والمراد بالموصول كفار مكة؛ أي: زعم كفار مكة وادعوا أن الشأن لن يبعثوا بعد موتهم أبدأ ولن يقاموا ويخرجوا من قبورهم. وعن شريح: لكل شيء كنية، وكنية الكذب زعموا. وقال بعض المخضرمين لابنه: هب لي من كلامك كلمتين: زعم وسوف، انتهى.
ويكره للرجل أن يكثر لفظ الزعم وأمثاله، فإنه تحديث بكل ما سمع، وكفى بذلك كذبًا، وإذا أراد أن يتكلم .. تكلم بما هو محقق، لا بما هو مشتبه. وبذلك يتخلص من أن يحدث بكل ما سمع، فيكون معصومًا من الكذب .. كذا في"المقاصد الحسنة".