فحمل القرطبي وغيره كلام هؤلاء الأيمة على أن التغابن تمثيل لحال الفريقين بحال مُتَبايَعَيْن أخذ أحدهما الثمن الوافيَ ، وأخذ الآخر الثمنَ المغبون ، يعني وقوله عقبه {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً نكفر عنه سيئاته} ، إلى قوله: {وبئس المصير} قرينة على المراد من الجانبين وعلى كلا المعنيين يكون قوله: {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً} إلى قوله: {وبئس المصير} تفصيلاً للفريقين ، فيكون في الآية مجاز وتشبيه وتمثيل ، فالمجاز في مادة الغبن ، والتمثيل في صيغة التغابن ، وهو تشبيه مركب بمنزلة التشبيه البليغ إذ التقدير: ذلك يوم مِثْل التغَابن.
وحمل قليل من المفسرين (وهو ما فسر إليه كلام الراغب في مفرداته) وصرح ابن عطية صيغَة التفاعل على معنى الكثرة وشدة الفعل (كما في قولنا: عافاك الله وتبارك الله) فتكون استعارة ، أي خسارة للكافرين إذ هم مناط الإِنذار.
وهذا في معنى قوله تعالى: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم} في سورة [البقرة: 16] ، وقوله: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} الآية في سورة [الصف: 10] .
فصيغة التفاعل مستعملة مجازاً في كثرة حصول الغبن تشبيهاً للكثرة بفعل من يحصل من متعدد.
والكلام تهديد للمشركين بسوء حالتهم في يوم الجمع ، إذ المعنى: ذلك يوم غبنكم الكثير الشديد بقرينة قوله قبله {فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا} [التغابن: 8] .
والغابن لهم هو الله تعالى.
ولولا قصد ذلك لما اقتصر على أن ذلك يوم تغابن فإن فيه ربحاً عظيماً للمؤمنين بالله ورسوله والقرآن ، فوزان هذا القصر وزان قوله: {فما ربحت تجارتهم} [البقرة: 16] وقول النبي صلى الله عليه وسلم"إنما المُفلس الذي يفلس يوم القيامة"