وما ماتَ حتّى ماتَ مَضْرِبُ سَيْفِه ... مِنَ الضَّرْبِ، واعْتَلَّتْ عَلَيْه القَنا السُّمْرُ
وقدْ كانَ فَوْتُ المَوْتِ سَهْلاً فَرَدَّه ... إليهِ الحِفاظُ المُرُّ والخُلُقُ الوَعْرُ
ونَفْسٌ تَعافُ العارَ حتّى كأنّما ... هُوَ الكُفْرُ يومَ الرَّوْعِ أوْ دونَه الكُفْرُ
فأثْبَتَ في مُسْتَنْقَعِ المَوْتِ رِجْلَه ... وقالَ لَها: مِنْ تَحْتِ أخْمَصِكِ الحَشْرُ
غَدا غُدْوَةً والحَمْدُ نَسْجُ رِدائِه ... فلَمْ يَنْصَرِفْ إلا وأكْفانُه الأجْرُ
تَرَدَّى ثِيابَ المَوْتِ حُمْراً فما دَجا ... لَها اللّيلُ إلا وهْيَ مِنْ سُنْدُسٍ خُضْرُ
قوله: تقوم مقامَ النصرِ: لأنّه قُتل قِتْلةَ بطلٍ شجاعٍ، إذْ لم يقتل حتّى تثَلَّمَ حدُّ سيفِه من شدَّة ما ضَرب به وحتّى تقصَّفتِ الرِّماحُ في يديه
كما قال في البيت التالي، قال نَقَدَة الشعر: إن أبا تمام نظر في هذا المعنى إلى قول عروة بن الورد:
ومَنْ يَكُ مِثْلي ذا عِيالٍ ومُقْتِراً ... مِنَ المالِ يَطْرَحْ نَفْسَه كُلَّ مَطْرَحِ
لِيَبْلُغَ عُذْراً أوْ يَنالَ رَغيبةً ... ومَبْلِغُ نَفْسٍ عُذْرَها مِثْلُ مُنْجِحِ
قالوا: إنّ عروةَ جعل اجتهادَه في طلب الرزق عُذراً يقوم مقامَ النّجاح وأبو تمام جعل الموت في الحرب الذي هو أقصى اجتهاد المجتهد في لقاء الأعداء قائماً مقام النصر. هذا، ومضربُ السيف: حدُّه، وقوله: واعتلَّتْ عليهِ القَنا السُّمْرُ فمعنى اعتلال القنا أن العلة أصابتها فلم تستطع العملَ معه وتحقيقَ مطالِبِ هِمَّته من الصمود للأعداء، أو تقول: معنى اعتلالها: أنّها تَجَنَّتْ عليه الذنوبَ واتّخذت ذلك ذريعةً إلى العصيان والخلاف عليه، وما ذنبُه عِندها إلا كثرةُ تكاليفها الطعن لا يُريحها من ذلك، والحِفاظ: الحميَّة والغضب مُحافظةً على الحُرْمَة وكلِّ ما يجب على المرءِ حمايتَه، والخلق الوعر: الشديد الأنفة، ولا يُمْدح به إلا في العداوَة. قال المازني:
تُعاتِبُني فيما تَرى مِنْ شَراسَتي ... وشِدَّةِ نَفْسي أمُّ سَعْدٍ وما تَدْري
فقلتُ لَها: إنَّ الكريمَ وإنْ حَلا ... لَيُوْجَدُ أحْياناً أمَرَّ مِنَ الصَّبْرِ