والمعنى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} ؛ أي: لاستواء خلقهم وجمال صورهم، كما وصفهم بالفصاحة وذرابة اللسان فقال: {وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} لحلاوة منطقهم وحسن توقيع حديثهم، فإذا سمعهم سامع .. أحب أن يصغي إليهم وأن يطول حديثهم جهد الاستطاعة. ثم وصفهم بأن أفئدتهم هواء، لا عقول لهم ولا أحلام، فقال: {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ} ؛ أي: هم أشباح بلا أرواح، لهم جمال في المنظر وقبح في المخبر، فسدت بواطنهم وحسنت ظواهرهم، فكانت كالخشب الجوفاء التي نخرها السوس، فهي مع حسنها لا ينتفع فيها بعمل ولا يستفاد منها خير. ولله در أبي نواس:
لَا تَخْدَعَنْكَ اللِّحَى وَلَا الصُّوْرُ ... تِسْعَةُ أَعْشَارِ مَنْ تَرَى بَقَرُ
تَرَاهُم كَالسَّحَابِ مُنْتَشِرًا ... وَلَيْسَ فِيْهِ لِطَالِبٍ مَطَرُ
فِي شَجَرِ السَّرْوِ مِنْهُمُ مَثَلٌ ... لَهُ رُواءٌ وَمَا لَهُ ثَمَرُ
ثم وصفهم بالجبن والذلة، فقال: {يَحْسَبُونَ} ؛ أي: يظنون {كُلَّ صَيْحَةٍ} ؛ أي: كل صوت مرتفع. وهو مفعول أول لـ {يَحْسَبُونَ} ، والمفعول الثاني قوله: {عَلَيْهِمْ} ؛ أي: واقعة عليهم ضارة لهم. وقال بعضهم: إذا نادى مناد في العسكر لمصلحة، أو انفلتت دابة، أو نشدت ضالة، أو وقعت جلبة بين الناس .. ظنوه إيقاعًا بهم، لجبنهم واستقرار الرعب في قلوبهم، والخائن خائف. وفي هذا زيادة تحقير لهم وتخفيف لقدرهم، كما قيل:
إِذَا رَأَى غَيْرَ شَيْءٍ ظَنَّهُ رَجُلًا
وقيل: كانوا على وجل من أن ينزل الله فيهم ما يهتك أستارهم ويبيح دماءهم وأموالهم. {هُمُ الْعَدُوُّ} ؛ أي: هم الكاملون في العداوة الراسخون فيها. فإن أعدى الأعادي: العدو المكاشر الذي يكاشرك؛ أي: يبتسم، وتحت ضلوعه داء لا يبرح بل يلزم مكانه. ولم يقل: هم الأعداء؛ لأن العدو لكونه بزنة المصادر يقع على الواحد وما فوقه. والجملة مستأنفة لبيان أنهم الكاملون في العداوة.