قال مقاتل: إن نادى مناد في العسكر أو انفلتت دابة أو نشدت ضالة ظنوا أنهم يرادون بذلك مما في قلوبهم من الرعب، قالوا: وسبب ذلك أنهم على وجل من أن يهتك الله أستارهم ويكشف أسرارهم فهم يتوقعون الإيقاع بهم ساعة فساعة.
وقال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون المعنى: يحسبون أن كل من خاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنما يخاطبه في أمرهم بكشف نفاقهم.
ثم أعلم رسوله بعداوتهم فقال: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} أيِ هم وإن كانوا معك يظهرون تصديقك أعداء لك فاحذرهم أن تأمنهم على سرك، لأنهم عيون لأعدائك من الكفار يلقون إليهم أسرارك.
قوله: {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} مفسر في سورة براءة.
5 -قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ} قال الكلبي: لما نزل القرآن على رسول الله بصفة المنافقين مشى إليه عشائرهم من المؤمنين وقالوا لهم: ويلكم افتضحتم بالنفاق وأهلكتم أنفسكم فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وتوبوا إليه من النفاق، وسلوه أن يستغفر لكم، فأبوا ذلك وزهدوا في الاستغفار فأنزل الله فيهم هذه الآية.
قال عطاء عن ابن عباس: لما رجع عبد الله بن أبي من أحد بكثير من الناس مقته المسلمون وعنفوه، فقال له بنو أبيه: لو أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يستغفر لك ويرضى عنك. قال: لا أذهب إليه، ولا أريد أن يستغفر لي.
قال قتادة: قال قوم عبد الله بن أبي: لو أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستغفر لك. فجعل يلوي رأسه، فنزلت هذه الآية.
وقال أكثر المفسرين: إنما دعي إلى الاستغفار؛ لأنه كان قد قال: {لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} ، وقال: {لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ} ، فقيل له: تعال يستغفر لكم رسول الله فلوى رأسه وقال: ماذا قلت؟. فذلك قوله: {لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ} قال مقاتل: عطفوا رؤسهم رغبة عن الاستغفار.