ثم في الحقيقة، إن كلام إبليس ليس طلباً، وإنما هو شرط دخل عليه القسم فقال: (لئن أخرتن) فهو من باب الطلب الضمني، وليس من باب الطلب الصريح وأما قوله: (لولا أخرتني) فهو طلب صريح ففرق تبعاً لذلك بين التعبيرين. فصرح بالضمير وأظهر نفسه في الطلب الصريح، وحذف الضمير واجتزأ بالإشارة إليه في الطلب غير الصريح. وهو تناظر جميل، ففي الطلب الصريح صرح بالضمير، وفي الطلب غير الصريح لم يصرح بالضمير.
12 -وهنا نأتي إلى سؤال السائل وهو: لم عطف بالجزم على النصب، فقال: (فأصدق) بالنصب ثم قال (وأكن) بالجزم ولم يجعلها على نسق واحد؟
والجواب: أنة هذا مما يسميه النجاة (العطف على المعنى) وقد يسمى فير غير القرآن (العطف على التوهم) . ذلك أن (أصدق) منصوب بعد فاء السببية، و (أكن) مجزوم على أنه جواب للطلب، والمعنى: إن أخرتني أكن من الصالحين ونحو ذلك أن تقول: (هلا تدلني على بيتك أزرك) ، فـ: (أزرك) مجزوم بجواب الطلب والمعنى، إن تدلني على بيتك أزرك ولو جئت بفاء السبب لنصت، فقلت: (هلا تدلني على بيتك فأزورك) ، وإن أسقطت الفاء وأردت معنى الشرط جزمت.
جاء في (البحر المحيط) :"وقرأ جمهور السبعة (وأكن) مجزوماً قال الزمخشري: (وأكن) مجزوماً على محل (فأصدق) كأنه قيل: إن أخرتني أصدق وأكن وقال ابن عطية: عطفاً على الموضع لأن التقدير إن تؤخرني أصدق وأكن"
ففي الآية الكريمة جاء بالمعطوف عليه على إرادة معنى السبب وجاء بالمعطوف على معنى الشرط فجمع بين معنيي السبب والشرط فالغطف إذن ليس على إرادة معنى الفاء بل على إرادة معنى جديد.
جاء في (معاني النحو) :"عطف (أكن) المجزوم على (أصدق) المنصوب، وهو عطف على المعنى وذلك أن المعطوف عليه يراد به السبب والمعطوف لا يراد به السبب، فإن (أصدق) منصوب بعد فاء السبب وأما المعطوف فليس على تقدير الفاء ولو أراد السبب لنصب، ولكنه جزم لأنه جواب الطلب نظير قولنا: (هل تدلني على بيتك أزرك؟) كأنه قال: إن تدلني على بيتك أزرك فجمع بين معنيي التعليل والشرط، ومثل ذلك أن أقول لك: (احترم أخاك يحترمك) و (احترم أخاك فيحترمك) فالأول جواب الطلب والثاني سبب وتعليل وتقول في الجمع بين معنيين (أكرم صاحبك فيكرمك ويعرف لك فضلك) وهو عطف على المعنى".
وقد تقول: ولماذا لم يسو بينهما، فيجعلهما نسقاً واحداً؟