مجيء"قدمت"بصيغة الماضي حث على الإسراع في العمل ، وعدم التأخير ، لأنه لم يملك إلا ما قدم في الماضي ، والمستقبل ليس بيده ، ولا يدري ما يكون فيه ، {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً} {لقمان: 34] وكما في وقوله:"حجوا قبل ألا تحجوا"، وقوله تعالى: وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [آل عمران: 133] ، وقوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كالذين نَسُواْ الله فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أولئك هُمُ الفاسقون} [الحشر: 19] .
بعد الحث على توقى الله وعلى الاجتهاد في تقديم العمل الصالح ليوم غد جاء التحذير في هذه الآية من النسيان والترك وألا يكون كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ، ولم يبين هنا من هم الذين حذر من أن يكونوا مثلهم في هذه النسيان ، وما هو النسيان والإنساء المذكوران هنا.
وقد نص القرآن على أن الذين نسوا الله هم المنافقون في قوله تعالى في سورة التوبة:
{المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بالمنكر وَيَنْهَوْنَ عَنِ المعروف وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ إِنَّ المنافقين هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67] وهذا عين الوصف الذي وصفبوا به في سورة الحشر. وقوله تعالى: {فَنَسِيَهُمْ} أي أنساهم أنفسهم ، لأن الله تعالى لا ينسى {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} [طه: 52] ، {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} [مريم: 64] .
وقد جاء أيضاً: وصف كل من اليهود والنصارى والمشركين بالنسيان في الجملة ، ففي اليهود يقول تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظَّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} [المائدة 13] .