فيستسلمُ ويخضعُ طوعًا ، وأما الكافرُ فإنه يضطرُ إلى الاستسلام عند الشدائدِ
ونزولِ البلاءِ به كرهًا ، ثم يعودُ إلى شركِه عندَ زوالِ ذلك كلِّه ، كما أخبرَ اللَّهُ عنهم بذلكَ في مواضعَ كثيرةٍ من القرآنِ.
والحديثُ الذي يطابقُ البابَ - على اختيارِ المفرقينَ بينَ الإسلام والإيمان -
قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - - في ذكر قرينهِ من الجنِّ -:
"ولكنَّ اللَّهَ أعاننِي عليه ، فأسلَمُ".
وقد رُوي بضمِّ الميم وفتحِها:
فمن رواهُ بضمِّها ، قال: المرادُ: أي: أنا أسلمُ من شرِّه.
ومن رواه بفتحها ، فمنهم من فسَّره بأنه أسلمَ من كفرِه ، فصار مسلمًا.
وقد وردَ التصريحُ بذلكَ في روايةِ خرَّجها البزارُ في"مسندِه"، بإسنادٍ
فيه ضعفٌ.
ومنهم من فسَّره بأنه استسلمَ وخضعَ وانقادَ كرهًا. وهو تفسير ابنِ عيينة
وغيرهِ.
فيطابقُ على هذا ترجمةَ البابِ. واللَّهُ أعلم.
قال المحقِّقون مِنَ العُلماءِ: كلُّ مؤمِنِ مُسلم ، فإنَّ من حقَّق الإيمانَ ، ورسخَ
في قلبِهِ ، قام بأعمالِ الإسلامِ ، كما قالَ - صلى الله عليه وسلم -:
"ألا وإن في الجسدِ مُضغة ، إذا صلحتْ ، صلَّحَ الجسدُ كلُّه ، وإذا فسدتْ ، فسدَ الجسدُ كلُّه ، ألا وهيَ القلبُ".
فلا يتحقَّقُ القلبُ بالإيمانِ إلا وتنبعِثُ الجوارحُ في أعمالِ الإسلامِ ، وليسَ كلُّ
مسلم مؤمنًا ، فإنَّه قد يكونُ الإيمانُ ضعيفًا ، فلا يتحقَّقُ القلبُ به تحقُّقًا تامًّا.
معَ عملِ جوارحِهِ بأعمالِ الإسلامِ ، فيكونُ مسلمًا وليس بمؤمنِ الإيمانَ التامَّ
كما قالَ تعالَى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) ، ولم يكونُوا مُنافقينَ بالكُلَيَّةِ على أصحِّ
التفسيرينِ ، وهو قولُ ابنِ عباسٍ وغيرِه ، بل كانَ إيمانُهم ضعيفًا ، ويدلُّ عليه