وزعمَ عليٌّ بن المدينيَ في كتابِ"العللِ"له: أن هذا من بابِ المزاح منَ
النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه كانَ يمزحُ ولا يقولُ إلا حقًّا ، فأوهم سعدًا أنه ليس بمؤمنٍ بل مسلم ، وهما بمعنًى واحد ، كما يقول لرجل يمازحُه - وهو يدعي أنه أخ لرجل - ، فيقول: إنما أنتَ ابنُ أبيه ، أو ابنُ أمِّه ، وما أشبَه ذلكَ ، مما يوهمُ
الفرقَ ، والمعنَى واحد.
وهذا تعسفٌ شديد.
والظاهرُ - واللَّهُ أعلمُ -: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - زجرَ سعدًا عن الشهادةِ بالإيمانِ ؛ لأن الإيمانَ باطن في القلبِ لا اطلاعَ للعبدِ عليه ، فالشهادةُ به شهادة على ظنٍّ ، فلا ينبغي الجزمُ بذلك ، كما قال:
"إن كنتَ مادحًا لا محالةَ ، فقل: أحسِبُ فلانًا كذا ، ولا أزكِّي على اللَّهِ أحدًا".
وأمرَه أن يشهدَ بالإسلامِ ؛ لأنه أمرٌ مطَّلع عليه.
كما في"المسندِ"عن أنسٍ - مرفوعًا -:"الإسلامُ علانيةٌ والإيمانُ في"
القلبِ"."
ولهذا كرِه أكثرُ السلفِ أن يطلقَ الإنسانُ على نفسه أنه مؤمن ، وقالوا: هو
صِفةُ مدح ، وتزكية للنفسِ بما غابَ من أعمالِها ، وإنما يشهدُ لنفسِه بالإسلامِ ؛ لظهورِه.
فأما حديثُ:"إذا رأيتمُ الرجلَ يعتادُ المسجدَ ، فاشهدُوا له بالإيمانِ".
فقد خرَّجهُ أحمدُ والترمذيُّ وابنُ ماجةَ من حديثِ درَّاج ، عن أبي الهيثم
عن أبي سعيدٍ - مرفوعًا.
وقال أحمد: هو حديثا منكرٌ.
ودراجٌ له مناكيرُ. واللهُ أعلمُ.
وهذا الذي ذكرَه البخاريُّ في هذا البابِ ، من الآية والحديثِ إنما يطابق
التبويبَ ، على اعتقادِه: أنه لا فرقَ بين الإسلامِ والإيمانِ.
وأما على قولِ الأكثرينَ بالتفريقِ بينهما ، فإنما ينبغي أن يُذكرَ في هذا البابِ
قولُه عزَّ وجل: (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) .
فإنَّ الجمهورَ على أنه أرادَ استسلامَ الخلقِ كلهم له وخضوعَهم ، فأما المؤمنُ