والمرءُ بالنَّفْسِ لا بِاللَّبْس تَعْرِفُه ... قَد يَخْلقُ الْغِمْدُ والْهنْديُّ بتَّارُ
والتِّبْرُ في التَّربِ قد تَخْفى مَكانتُه ... حَتَّى يُخَلِّصُه بالسَّبْكِ مِسْبَارُ
ورُبَّ أشعثَ ذِي طِمرَيْنِ مجتهدٌ ... لَه على الله في الإقْسَامِ إبْرارُ
(أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ ...(12)
هذا تمثيل وتصوير لما ينالُه المغتاب من عِرضِ المغتابِ على أفحش وجه. وفيه مبالغات، منها: الاستفهام الذي معناه التقرير.
ومنها: فعلُ ما هو الغاية في الكراهة موصولاً بالمحبة.
ومنها: إسناد الفعل إلى (أَحَدُكُمْ) إشعاراً بأنَّ أحداً مِن الأحدين لا يُحبُّ ذلك.
ومنها: أنه لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم مطلق الإنسان، بل جعله أخاً للآكل.
ومنها: أنه لم يقتصر على أكل لحم الأخ حتى جعله ميتاً.
وعن قتادة: كما تكره إن وجدت جيفة مُدَوّدة أن تأكل منها كذلك فاكْرَه لحم أخيك. اهـ.
وقيل: (الغيبة) غيبة الخلق إنما تكون بالغيبة عن الحق. اهـ. قاله النسفي.
قال بعضهم: والغيبة صاعقة الدين، فمَن أراد أن يُفرّق حسناته يميناً وشمالاً فليغتب الناس.
وقيل: مثلُ صاحب الغيبة مثل مَن نصب منجنيقاً فهو يرمي به حسناته يميناً وشمالاً، شرقاً وغرباً. اهـ. والأحاديث والحكايات في ذم الغيبة كثيرة، نجانا الله منها بحفظه ورعايته.
(قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ ...(14)
والتعبير بـ «لمّا» يدل على أن الإيمان متوقَّع من بعضهم وقد وقع.
فإن قلت: مقتضى نظم الكلام أن يقول: قل لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا، أو: قل لم تؤمنوا ولكن أسلمتم؟