فالمؤمن الذي لا يأخذ يد الله الممدودة له بالأسباب ويهملها يعيش مُتخلِّفاً عالةً على غيره ، يعيش شحاذاً يستجدي قُوتَه حتى من الكافر ، فإذا ما خَلَتْ الساحة للكافر ، وأخذ هو بالأسباب ، وأعطاها حقوقها أخذ هو عطاء الرب ، وكان أَوْلَى بالمؤمن ألاَّ يترك عطاء ربه ، يأخذه مَنْ لا يؤمن بالله ، ثم يتخلف هو عن رَكْب الحضارة ، وإنْ كانت الحضارة التي وصل إليها الكفار اليوم حضارة في الماديات فحسب .
أما القيم والأخلاقيات فقد انحدرتْ في هذه المجتمعات ، بدليل أنك حين تذهب إلى هذه البلاد وتنزل مثلاً في فندق - كما نزلنا - تجد مكتوباً على باب الحجرة: إذا دخل عليك اللصوص فلا تقاوم ، فإن حياتك أثمن مما معك ، إذا خرجتَ إلى الشارع فلا تحمل من المال إلا بقدر ضرورياتك . إذن: ارتقوا في شيء ، وانحدروا في أشياء .
وإذا كان مظهر ارتقائهم في الناحية الاقتصادية ، فانظر إلى أعلى دَخْلٍ للفرد في العالم تجده في السويد ، ومع ذلك تكثر عندهم الأمراض النفسية والعصبية والانتحار والجنون والشذوذ وغيرها من الأمراض الاجتماعية .
لقد تحضَّرتْ هذه البلاد حضارة مادية ؛ لأنهم أخذوا بأسبابها ، فأتقن كُلٌّ عمله ، وأعطى وقت العمل للعمل ، فما بين الثامنة إلى الثانية عشرة لا تجد إنساناً في الشارع ، ولا تجد أحداً يجلس على (القهوة) مثلاً أو يضيع وقت العمل ، وفي وقت الراحة يذهب الجميع إلى المطعم ليأكل (السندوتش) الجاهز ، ثم يعود إلى عمله .
هكذا يعيش المجتمع المادي ، فالذي لا يعمل فيه يموت من الجوع ، والحمد لله أن شبابنا تنبهوا إلى أهمية العمل وتخلَّوْا عن الطفولة التي كانوا يعيشون فيها حتى الثلاثين ، وهم عَالَة على الأبوين .