أَرَأَيْتَ إِذْ أَعْطَيْتُكَ الْوِدَّ كُلَّهُ ... وَلَمْ يَكُ عِنْدِي إِنْ أَبَيْتِ إِبَاءُ
أَمُسْلِمَتِي لِلْمَوْتِ أَنْتِ فَمَيِّتٌ ... وَهَلْ لِلنِّفُوسِ الْمُسْلِمَاتِ بَقَاءُ
وَلَمْ يَقُلْ: فَمَيِّتٌ أَنَا، وَقَالَ الْكِسَائِي: سَمِعْتُ الْعَرَبَ تَقُولُ: يَدَكَ بَاسِطُهَا، يُرِيدُونَ أَنْتَ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ، قَالَ: فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ خَفْضُ «غَيْرَ»
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا، الْقَوْلُ بِإِجَازَةِ جَرِّ «غَيْرَ» فِي «غَيْرِ نَاظِرِينَ» فِي الْكَلَامِ، لَا فِي الْقِرَاءَةِ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَبْيَاتِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا؛ فَأَمَّا فِي الْقِرَاءَةِ فَغَيْرُ جَائِزٍ فِي «غَيْرَ» غَيْرَ النَّصْبِ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى نَصْبِهَا.
وَقَوْلُهُ: {وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا}
يَقُولُ: وَلَكِنْ إِذَا دَعَاكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَادْخُلُوا الْبَيْتَ الَّذِي أُذِنَ لَكُمْ بِدُخُولِهِ {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا}
يَقُولُ: فَإِذَا أَكَلْتُمُ الطَّعَامَ الَّذِي دُعِيتُمْ لِأَكْلِهِ فَانْتَشِرُوا، يَعْنِي فَتَفَرَّقُوا وَاخْرُجُوا مِنْ مَنْزِلِهِ {وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} فَقَوْلُهُ: {وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا بِهِ عَلَى نَاظِرِينَ، كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ: أَنْتَ غَيْرُ سَاكِتٍ وَلَا نَاطِقٍ وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ
يُقَالَ: مُسْتَأْنِسِينَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلَى مَعْنَى نَاظِرِينَ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ: إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ لَا نَاظِرِينَ إِنَاهُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: {وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ} نَصْبًا حِينَئِذٍ، وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ إِذَا حَالَتْ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، فَتَرُدُّ أَحْيَانًا عَلَى لَفْظِ الْأَوَّلِ، وَأَحْيَانًا عَلَى مَعْنَاهُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ أَبَا الْقَمْقَامِ أَنْشَدَهُ:
[البحر الطويل]
أَجِدْكَ لَسْتَ الدَّهْرَ رَائِيَ رَامَةٍ ... وَلَا عَاقِلٍ إِلَّا وَأَنْتَ جَنِيبُ
وَلَا مُصْعِدٍ فِي الْمُصْعِدِينَ لَمِنْعَجٍ ... وَلَا هَابِطًا مَا عِشْتُ هَضْبَ شَطِيبِ
فَرَدَّ مُصْعِدٌ عَلَى أَنَّ رَائِيَ فِيهِ بَاءٌ خَافِضَةٌ، إِذْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُصْعِدِ مِمَّا حَالَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْكَلَامِ.