وَلِهَذَا الْمَعْنَى نَزَلَتْ الْآيَةُ فِي أُمِّ هَانِئٍ بِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ هَاجَرَتْ ، فَمُنِعَ مِنْهَا لِنَقْصِهَا بِالْهِجْرَةِ ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: {هَاجَرْنَ} خَرَجْنَ إلَى الْمَدِينَةِ ، وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ الْهِجْرَةَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ هِيَ الْخُرُوجُ مِنْ بَلَدِ الْكُفْرِ إلَى دَارِ الْإِيمَانِ ، وَالْأَسْمَاءُ إنَّمَا تُحْمَلُ عَلَى عُرْفِهَا ، وَالْهِجْرَةُ فِي الشَّرِيعَةِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ تَحْتَاجَ إلَى بَيَانٍ ، أَوْ تَخْتَصَّ بِدَلِيلٍ ؛ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لِمَنْ ادَّعَى غَيْرَهَا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْله تَعَالَى: {مَعَك} صُحْبَتِهِ إذْ هَاجَرَ أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ يُقَالُ: دَخَلَ فُلَانٌ مَعِي ، أَيْ فِي صُحْبَتِي ، فَكُنَّا مَعًا ، وَتَقُولُ: دَخَلَ فُلَانٌ مَعِي وَخَرَجَ مَعِي ، أَيْ كَانَ عَمَلُهُ كَعَمَلِي ، وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ فِيهِ عَمَلُكُمَا وَلَوْ قُلْت: خَرَجْنَا مَعًا لَاقْتَضَى ذَلِكَ الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا: الْمُشَارَكَةُ فِي الْفِعْلِ
، وَالِاقْتِرَانُ فِيهِ ؛ فَصَارَ قَوْلُك:"مَعِي"لِلْمُشَارَكَةِ ، وَقَوْلُك:"مَعًا"لِلْمُشَارَكَةِ وَالِاقْتِرَانِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: {وَبَنَاتِ عَمِّك} فَذَكَرَهُ مُفْرَدًا.
وَقَالَ: {وَبَنَاتِ عَمَّاتِك} فَذَكَرَهُنَّ جَمِيعًا.
وَكَذَلِكَ قَالَ: وَبَنَاتِ خَالِك فَرْدًا وَبَنَاتِ خَالَاتِك جَمْعًا.
وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْعَمَّ وَالْخَالَ فِي الْإِطْلَاقِ اسْمُ جِنْسٍ كَالشَّاعِرِ وَالرَّاجِزِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ.
وَهَذَا عُرْفٌ لُغَوِيٌّ ؛ فَجَاءَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ بِغَايَةِ الْبَيَانِ لِرَفْعِ الْإِشْكَالِ ؛ وَهَذَا دَقِيقٌ فَتَأَمَّلُوهُ.