وقَوْله تَعَالَى: {اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَك} قَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّ اللَّاتِي لَمْ يُهَاجِرْنَ كُنَّ مُحَرَّمَاتٍ عَلَيْهِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى أَنَّ الْمَخْصُوصَ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهُ بِخِلَافِهِ.
وَرَوَى دَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ زِيَادٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قُلْت لَهُ: أَرَأَيْت لَوْ هَلَكَ نِسَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَانَ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ ؟ قَالَ: (وَمَا يَمْنَعُهُ ؟ أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ ضُرُوبًا مِنْ النِّسَاءِ فَكَانَ يَتَزَوَّجُ مِنْهُنَّ مَا شَاءَ) ثُمَّ تَلَا: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إنَّا أَحْلَلْنَا لَك أَزْوَاجَك} الْآيَةَ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَخْصِيصَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمَذْكُورَاتِ بِالْإِبَاحَةِ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ حَظْرَ مَنْ سِوَاهُنَّ عِنْدَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ
أَنَّهُنَّ لَوْ هَلَكْنَ لَكَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ غَيْرَهُنَّ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ خِلَافُ ذَلِكَ ، رَوَى إسْرَائِيلُ عَنْ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: {خَطَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْتَذَرْت إلَيْهِ بِعُذْرٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: إنَّا أَحْلَلْنَا لَك أَزْوَاجَك} إلَى قَوْلِهِ: {اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَك} قَالَتْ: فَلَمْ أَكُنْ أَحِلُّ لَهُ ؛ لِأَنِّي لَمْ أُهَاجِرْ مَعَهُ ، كُنْت مَعَ الطُّلَقَاءِ.