الثاني: اعلم أنّه لا خلاف بين أهل العلم في أنه لا تصح توبة من ذنب إلا بالندم على فعل الذنبن والإقلاع عنه ، إن كان متلبساً به كما قدمنا أنهما من أركان التوبة ، وكلّ واحد منهما فيه إشكال معروف. وإيضاحه في الأول الذي هو الندم ، أن الندم ليس فعلاً ، وإنما هو انفعال ، ولا خلاف بين أهل العلم في أنّ الله لا يكلف أحداً إلا بفعل يقع باختيار المكلف ، ولا يكلف أحداً بشيء إلا شيئاً هو في طاقته كما قال تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] وقال تعالى: {فاتقوا الله مَا استطعتم} [التغابن: 16]
وإذا علمت ذلك فاعلم أن الندم انفعال ليس داخلاً تحت قدرة العبد ، فليس بفعل أصلاً ، وليس في وسع المكلّف فعله ، والتكليف لا يقع بغير الفعل ، ولا يطاق كما بيَّنا. قال في مراقي السعود:
ولا يكلف بغير الفعل... باعث الأنبيا وربّ الفضل
وقال أيضاً:
والعلم والوسع على المعروف... شرط يعمّ كل ذي تكليف
واعلم أن كلام الأصوليين في مسألة التكليف بما لا يطاق ، واختلافهم في ذلك إنما هو بالنسبة إلى الجواز العقلي ، والمعنى هل يجيزه العقل أو يمنعه.
أما وقوعه بالفعل فيهم مُجْمعون على منعه كما دلّت عليه آيات القرآن ، والأحاديث النبويّة ، وبعض الأصوليين يعبّر عن هذه المسألة بالتكليف بالمحال هل يجوز عقلاً أو لا؟ أمّا وقوع التكليف بالمحال عقلاً ، أو عادة ، فكلهم مجمعون على منعه إن كانت الاستحالة لغير علم الله تعالى بعدم وقوعه أزلاً ، ومثال المستحيل عقلاً أن يكلّف بالجمع ، بين الضدّين كالبياض ، والسواد أو النقيضين كالعدم والوجود. والمستحيل عادة كتكليف المقعد بالمشي وتكليف الإنسان بالطيران ونحو ذلك. فمثل هذا لا يقع التكليف به إجماعاً.