وقوله: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} قد قدمنا مراراً أنّ أشهر معاني لعلّ في القرآن اثنان.
الأول: أنّها على بابي من الترجي أي توبوا إلى الله ، رجاء أن تفلحوا ، وعلى هذا فالرجاء بالنسبة إلى العبد ، أما إله جل وعلا ، فهو عالم بكلّ شيء ، فلا يجوز في حقه إطلاق الرجاء ، وعلى هذا فقوله تعالى لموسى وهارون في مخاطبة فرعون: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى} [طه: 44] وهو جلّ وعلا عالم بما سبق في الأزل من أنّه لا يتذكر ولا يخشى.
معناه: فقولا له قولاً ليناً رجاء منكما بحسب عدم علمكما بالغيب أن يتذكر أو يخشى.
والثاني: هو ما قاله بعض أهل العلم بالتفسير من أنّ كلّ لعلّ في القرآن للتعليل ، إلاَّ التي في سورة الشعراء ، وهي في قوله تعالى: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} [الشعراء: 129] قالوا فهي بمعنى كأنكم ، وقد قدمنا ان إطلاق لعل للتعليل معلوم في العربية ، ومنه قول الشاعر:
فقلتم لنا كفوا الحروب لعلّنا... نكف ووثقتم لنا كل موثق
أي كفوا الحروب ، لأجل أن نكف كما تقدم.
وعلى هذا القول فالمعنى: وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون ، لأجل أن تفلحوا أي تنالوا الفلاح ، والفلاح في اللغة العربية: يطلق على معنيين:
الأول: الفوز بالمطلوب الأعظم ، ومن هذا المعنى قول لبيد:
فاعقلي إن كنتِ لما تعقلي... ولقد أفلح من كان عقل
أي فاز بالمطلوب الأعظم من رزقه الله العقل.
المعنى الثاني: هو البقاء الدائم في النعيم والسرور ، ومنه قول الأضبط بن قريع ، وقيل كعب بن زهير:
لكل همّ من الهموم سعه... والمسى والصبح لا فلاح معه
يعني أنه لا بقاء لأحد في الدنيا مع تعاقب المساء والصباح عليه. وقول لبيد بن ربيعة أيضاً:
لو أن حيّاً مُدرك الفلاح... لناله ملاعب الرماح