وبعد إزالة خاطر أن يكون ذلك شراً للمؤمنين أثبت أنه خير لهم فأتى بالإضراب لإبطال أن يحسبوه شراً ، وإثبات أنه خير لهم لأن فيه منافع كثيرة ؛ إذ يميز به المؤمنون الخلص من المنافقين ، وتشرع لهم بسببه أحكام تردع أهل الفسق عن فسقهم ، وتتبين منه براءة فضلائهم ، ويزداد المنافقون غيظاً ويصبحون محقرين مذمومين ، ولا يفرحون بظنهم حزن المسلمين ، فإنهم لما اختلقوا هذا الخبر ما أرادوا إلا أذى المسلمين ، وتجيء منه معجزات بنزول هذه الآيات بالإنباء بالغيب.
قال في"الكشاف":
وفوائد دينية وآداب لا تخفى على متأملها أ هـ.
وعدل عن أن يعطف {خيراً} على {شراً} بحرف (بل) فيقال: بل خيراً لكم ، إيثاراً للجملة الاسمية الدالة على الثبات والدوام.
والإثم: الذنب وتقدم عند قوله تعالى: {قل فيهما إثم كبير} في سورة البقرة (219) وعند قوله: {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} في سورة الأنعام (120) .
وتولي الأمر: مباشرة عمله والتهمم به.
{والكِبر} بكسر الكاف في قراءة الجمهور ، ويجوز ضم الكاف.
وقرأ به يعقوب وحده ، ومعناه: أشد الشيء ومعظمه ، فهما لغتان عند جمهور أئمة اللغة.
وقال ابن جني والزجاج: المكسور بمعنى الإثم ، والمضموم: معظم الشيء.
{والذي تولى كبره} هو عبد الله بن أبي بن سلول وهو منافق وليس من المسلمين.
وضمير {منهم} عائد إلى {الذين جاءو بالإفك} .
وقيل: الذي تولى كبره حسان ابن ثابت لما وقع في"صحيح البخاري":"عن مسروق قال: دخل حسان على عائشة فأنشد عندها أبياتاً منها:"
حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنَّ برِيبَةٍ ... وتُصبح غَرْثَى من لُحُوم الغَوافِلِ
فقالت له عائشة: لكن أنت لست كذلك.
قال مسروق فقلت: تَدَعِين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل الله تعالى: {والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم} فقالت: أي عذاب أشد من العمى"."
والوعيد بأن له عذاباً عظيماً يقتضي أنه عبد الله بن أبي بن سلول.