ومن جملته أنه تعالى لو لم يشرع لهم ذلك (اللعان) لوجب على الزوج حد القذف مع أن الظاهر صدقه لأنه أعرف بحال زوجته، وأنه لا يفترى عليها لاشتراكهما في الفضاحة، وبعد ما شرع لهم لو جعل شهاداته موجبة لحد الزنا عليها لفات النظر إليها، ولو جعل شهاداتها موجبة لحد القذف عليه لفات النظر له، ولا ريب في خروج الكل عن سنن الحكمة والفضل والرحمة، فجعل شهادات كل منهما مع الجزم بكذب أحدهما حتمًا دارئة لما
توجه إليه من الغائلة الدنيوية، وقد ابتلى الكاذب منهما في تضاعيف شهاداته من العذاب بما هو أتم مما درأته عنه وأطم، وفي ذلك من أحكام الحكم البالغة وآثار التفضل والرحمة ما لا يخفى؛ أما على الصادق فظاهر، وأما على الكاذب فهو إمهاله والستر عليه في الدنيا ودرء الحد عنه وتعريضه للتوبة حسبما ينبئ عنه التعرض لعنوان توابيته تعالى، فسبحانه ما أعظم شأنه! وأوسع رحمته! وأدق حكمته! قاله شيخ الإسلام.
الوجه السادس: موقف التوراة والإنجيل من زنا الزوجة.
عند النصارى يحرم الطلاق إلا لعلة الزنا فقط: ففي متى (5/ 32) : (وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إلَّا لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي، وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْني.) ، ومعنى ذلك: أن المرأة التي تريد الطلاق في المسيحية ليس أمامها إلا الرضوخ للحياة الكئيبة التي تحياها مع رجل تكرهه تكيد له ويكيد لها، ويتمنى كل منهما التخلص من الآخر، أو على الأقل موت الآخر، أو أنها تزني في بيت الزوجية ليضبطها زوجها فيقتلها، أو يأتي بشهود عليها ليتخلص منها، وقد يأتي الرجل بشهود زور ليشهدوا على زوجته بالزنا دون وقوعه ليتمكن من طلاقها، فأين بناء الأسرة في ظل جو المشاحنات، والكيد، والكره الذي يملأ البيت! هل عدم الطلاق أو تعليقه على شرط الزنا يقيم المرة قويمة نفسيًا أو أخلاقيًا؟ وهل هذا من صالح المجتمع الذي يعيش فيه النصارى؟.