فأعراض الناس وكراماتهم من الأمور الجوهرية في الحياة الاجتماعية. ويترتب على القذف فيها نتائج خطيرة شخصية وأسرية واجتماعية. وفي إيجاب الحدّ على القاذف ردع عن التهجم على الأعراض والاستهانة بها. وفي إناطة ثبوت التهمة بأربعة شهداء وسيلة قوية لمنع الإرجاف وشيوع أخبار الفاحشة والسوء في الأوساط الاجتماعية. أما إذا استطاع القاذف أن يقيم البينة بأربع شهادات فتكون حالة المقذوف حالة استهتار بشع. ويكون موقف القاذف محقا ووسيلة للتنكيل بمن يرتكب الفاحشة بمثل هذا الاستهتار البشع.
وقد اختلفت الأقوال في مدى الاستثناء الذي احتوته الآية الثانية. فمنها أن التوبة لا تسقط الحدّ عن القاذف إن كانت قبل إيقاعه ولا تجعل شهادته مقبولة.
وكل أمرها أنها تسقط عنه صفة الفسق. ومنها أنها تجعل شهادته مقبولة أيضا.
وقال القائلون بهذا إن كلمة (أبدا) هي في حالة عدم التوبة وإصرار القاذف على ما
قال في حقّ المقذوف، ومنها أن قبول شهادته بعد التوبة منوط بالاعتراف بأنه قال بهتانا. وهذه الأقوال معزوة إلى بعض علماء التابعين وأئمة المذاهب الفقهية.
وهناك قول معزو إلى الشعبي- أحد علماء التابعين- وهو أن القاذف إذا تاب قبل الحدّ سقط عنه الحد أيضا. وهناك قول معدل لهذا القول وهو أن سقوط الحد عن القاذف التائب قبل تنفيذه منوط بعفو المقذوف، قياسا على سقوط القصاص بعفو أهل القتيل. وهو ما نراه وجيها دون قول الشعبي المطلق. لأن القذف ليس ذنبا نحو الله فقط، وإنما فيه حق المقذوف أيضا. ولم نطلع على أثر نبوي في هذه الصور.
والمتبادر الذي يلهمه نصّ الآية فيما نرى أن الرأي القائل إن التوبة تجعل شهادة القاذف مقبولة بالإضافة إلى رفعها صفة الفسق عنه هو الأوجه. ولا سيما إذا لوحظ أنه قد تكون حالة زنا صحيحة يعلمها شخص أو اثنان أو ثلاثة غير متهمين بعدالتهم وصدقهم وأنه قد يكون من المتعذر دائما الإتيان بأربعة شهود. وأن الرأي القائل بأن التوبة قبل إيقاع الحدّ إذا اقترنت بعفو المقذوف تسقط الحدّ قياسا على سقوط القصاص عن القاتل بعفو أهل القتيل وهو وجيه أيضا. لأن القذف ليس ذنبا نحو الله فقط وإنما فيه حقّ المقذوف أيضا.