الصدقات فهم من قوله تعالى: (وَفِي الرِّقابِ) ، فهذا لا بد أن يكون له فائدة زائدة ، تشهد له أن ما آتاه الواحد منا ، يجب أن يكون على وجه إذا حصل عند المعطى يتصرف فيه ، ولم يحصل للسيد عليه بدلا يستحق الصفة بأنه من مال اللّه الذي آتاه إياه ، ولو كان الإيتاء واجبا ، لكان وجوبه متعلقا بالعبد ، ويكون العبد هو الموجب وهو المسقط وذلك مستحيل ، لأنه إذا كان العبد يوجبه وهو بعينه يسقطه ، استحال وجوبه ، لتنافي الإيجاب والإسقاط «1» .
وبالجملة ، ما صار مستحق الإسقاط فحكمه أن يسقط ، ولا نعرف في مسائل الشرع مسألة أعوص على أصحاب الشافعي من مسألة الإيتاء ، ولا معتمد لهم فيها إلا آثار الصحابة ، وهي معتمدة قوية ذكرناها في كتاب المصنف في الروايات «2» .
واعلم أن الكتابة من الأسماء الشرعية ، فإنها على الوجه الذي ثبت في الشريعة لم تكن معلومة ، فحل ذلك محل الصلاة والصيام.
ثم اختلفوا بعد ذلك ، فمنهم من قال: يعقل من ظاهرها التأجيل: إذا لم يكن شرطا فيها لم تكن كتابة.
وقال بعضهم: بل لا يعقل ذلك من الظاهر ، وهذا أظهر ، فإن الشيء قد يكتب ولا تأجيل فيه ، كما قد يكتب وهناك تأجيل ، فالظاهر لا يدل على ذلك ، وقول من يقول إنها تجوز حالة ، وقول من يقول لا تجوز إلا مؤجلة أو منجمة موقوف على الدليل ، لأن الظاهر لا يشهد بأحد هذه الوجوه.
(1) انظر أحكام القرآن للجصاص ، وتفسير القرطبي.
(2) وكتاب المصنف في الروايات ، هو من الكتب الهامة جدا في فن الفقه والحديث قام بتأليفه مصنف هذا الكتاب الذي بين أيدينا الآن.