عُرِّفت البلاغة بأنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال، ومعلوم أن القرآن فِي أعلى درجات البلاغة، فإذا نحن ذهبنا مذهب أرباب التفسير العلمي وقلنا بأن القرآن متضمن لكل العلوم، وألفاظه متحملة لهذه المعاني المستحدّثة، لأوقعنا أنفسنا فِي ورطة لا خلاص لنا منها إلا بما يخدش بلاغة القرآن، أو يذهب بفطانة العرب، وذلك لأن مَن خوطبوا بالقرآن فِي وقت نزوله أن كانوا يجهلون هذه المعاني وكان الله يريدها من خطابه إياهم لزم على ذلك أن يكون القرآن غير بليغ، لأنه لم يراع حال المخاطب وهذا سلب لأهم خصائص القرآن الكريم. وإن كانوا يعرفون هذه المعاني فلِمَ لَمْ تظهر نهضة العرب العلمية من لدن نزول القرآن الذي حوى علوم الأوَّلين والآخرين؟ ولِمَ لَمْ تقم نهضتهم على هذه الآيات الشارحة لمختلف العلوم وسائر الفنون؟ .. وهذا أيضاً سلب لأهم خصائص العرب ومميزاتهم.
ثالثاً: الناحية الاعتقادية:
القرآن الكريم باق ما تعاقب الملوان، ونظامه نافع لكل عصر وزمان، فهو يتحدث إلى عقول الناس جميعاً من لدن نزوله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو يساير حياتهم فِي كل ما يمرون به من مراحل الزمن، وهذا كله بحكم كونه كتاب الشريعة العامة الشاملة، وقانون الدين الذي جعله الله خاتم شرائع السماوات إلى أهل الأرض.