وقيل: إن سبب كون المال والولد عذابا في الدنيا هو ما يحصل من المتاعب والمشاق في تحصيلهما فإذا حصلا ازداد التعب وتحمل المشاق في حفظهما ويزداد الحزن والغم بسبب المصائب الواقعة فيهما، فعلى هذا القول، لا حاجة إلى التقديم والتأخير في نظم الآية.
وأورد على هذا القول بأن هذا التعذيب حاصل لكل أحد من بني آدم مؤمنهم وكافرهم فما فائدة تخصيص المنافقين بهذا التعذيب في الدنيا؟
وأجيب عن هذا الإيراد بأن المنافقين مخصوصون بزيادة من هذا العذاب وهو أن المؤمن قد علم أنه مخلوق للآخرة وإنه يثاب بالمصائب الحاصلة له في الدنيا فلم يكن المال والولد في حقه عذابا في الدنيا، وأما المنافق فإنه لا يعتقد كون الآخرة له وأنه ليس فيها ثواب فبقي ما يحصل له في الدنيا من التعب والشدة والغم والحزن على المال والولد عذابا عليه في الدنيا، فثبت بهذا الاعتبار أن المال والولد عذاب على المنافقين في الدنيا دون المؤمنين.
وقيل: إن تعذيبهم بهما في الدنيا أخذ الزكاة منهم والنفقة في سبيل الله غير مثابين على ذلك، وربما قتل الولد في الغزو فلا يثاب الوالد المنافق على قتل ولده وذهاب ماله.
وقيل: يعذبهم بالتعب في جمعه وحفظه والكره في إنفاقه والحسرة على تخليفه عند من لا يحمده، ثم يقدم في الآخرة على ملك لا يعذره.
قوله عز وجل: (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ)
يعني الاستهزاء بالله كفر والإقدام عليه يوجب الكفر.
«فإنْ قلتَ» : إن المنافقين لم يكونوا مؤمنين فكيف قال (قد كفرتم بعد إيمانكم) ؟
قلت: معناه أظهرتم الكفر بعد ما كنتم قد أظهرتم الإيمان وذلك أن المنافقين كانوا يكتمون الكفر ويظهرون الإيمان، فلما حصل ذلك الاستهزاء منهم وهو كفر قيل لهم (قد كفرتم بعد إيمانكم) .
وقيل: معناه قد كفرتم عند المؤمنين بعد أن كنتم عندهم مؤمنين.