قُلْنَا: كَأَنَّهُ اسْتِئْنَافٌ، كَأَنَّهُ قِيلَ: مَا بَالُهُمُ اسْتَأْذَنُوا وَهُمْ أَغْنِيَاءُ.
فَقِيلَ: رَضُوا بِالدَّنَاءَةِ وَالضِّعَةِ وَالِانْتِظَامِ فِي جُمْلَةِ الْخَوَالِفِ (وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ) يَعْنِي أَنَّ السَّبَبَ فِي نَفْرَتِهِمْ عَنِ الْجِهَادِ، هُوَ أَنَّ اللَّهَ طَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ، فَلِأَجْلِ ذَلِكَ الطَّبْعِ لَا يَعْلَمُونَ مَا فِي الْجِهَادِ مِنْ مَنَافِعِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا.
(قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(94)
«فَإِنْ قِيلَ» : لِمَا قَالَ: (وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ) فَلِمَ لَمْ يَقُلْ، ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَيْهِ، وَمَا الْفَائِدَةُ مِنْ قَوْلِهِ: (ثُمَّ) ؟
قُلْنَا: فِي وَصْفِهِ تَعَالَى بِكَوْنِهِ: (عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) مَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مُطَّلِعًا عَلَى بَوَاطِنِهِمُ الْخَبِيثَةِ وَضَمَائِرِهِمُ الْمَمْلُوءَةِ مِنَ الْكَذِبِ وَالْكَيْدِ، وفيه تخويف شديد، وزجر عظيم لهم.
(الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(97)
قَالَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ:
الْأَعْرَابِيُّ إِذَا قِيلَ لَهُ يَا عَرَبِيُّ: فَرِحَ، وَالْعَرَبِيُّ إِذَا قِيلَ لَهُ: يَا أَعْرَابِيُّ، غَضِبَ لَهُ، فَمَنِ اسْتَوْطَنَ الْقُرَى الْعَرَبِيَّةَ فَهُمْ عَرَبٌ، وَمَنْ نَزَلَ الْبَادِيَةَ فَهُمْ أَعْرَابٌ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ وُجُوهٌ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: «حُبُّ الْعَرَبِ مِنَ الْإِيمَانِ»
وَأَمَّا الْأَعْرَابُ فَقَدْ ذَمَّهُمُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَعْرَابٌ، إِنَّمَا هُمْ عَرَبٌ، وَهُمْ مُتَقَدِّمُونَ فِي مَرَاتِبِ الدِّينِ عَلَى الْأَعْرَابِ.
قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا وَلَا فَاسِقٌ مُؤْمِنًا وَلَا أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا»