الْوَجْهُ الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ مَا كَانَ مَعَهُ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ، وَالْأَنْصَارُ مَا رَأَوْا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا إِلَّا أَبَا بَكْرٍ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَصْطَفِيهِ لِنَفْسِهِ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِهِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، وَإِنَّ أَصْحَابَنَا زَادُوا عَلَيْهِ وَقَالُوا: لَمَّا لَمْ يَحْضُرْ مَعَهُ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ أَحَدٌ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ، فَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّهُ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ لَزِمَ أَنْ لَا يَقُومَ بِأَمْرِهِ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ وَأَنْ لَا يَكُونَ وَصِّيَهُ عَلَى أُمَّتِهِ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ، وَأَنْ لَا يُبَلِّغَ مَا حَدَثَ مِنَ الْوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ إِلَى أُمَّتِهِ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْفَضَائِلِ الْعَالِيَةِ وَالدَّرَجَاتِ الرَّفِيعَةِ لِأَبِي بَكْرٍ.
* وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّوَافِضَ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الْآيَةِ وَبِهَذِهِ الْوَاقِعَةِ عَلَى الطَّعْنِ فِي أَبِي بَكْرٍ مِنْ وُجُوهٍ ضَعِيفَةٍ حَقِيرَةٍ جَارِيَةٍ مَجْرَى إِخْفَاءِ الشَّمْسِ بِكَفٍّ مِنَ الطِّينِ: فَالْأَوَّلُ: قَالُوا إِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: لَا تَحْزَنْ فَذَلِكَ الْحُزْنُ إِنْ كَانَ حَقًّا فَكَيْفَ نَهَى الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْهُ؟
وَإِنْ كَانَ خَطَأً، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ مُذْنِبًا وَعَاصِيًا فِي ذَلِكَ الْحُزْنِ،
وَالثَّانِي: قَالُوا يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ اسْتَخْلَصَهُ لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يَخَافُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ فِي مَكَّةَ أَنْ يَدُلَّ الْكُفَّارَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُوقِفَهُمْ عَلَى أَسْرَارِهِ وَمَعَانِيهِ، فَأَخَذَهُ مَعَ نَفْسِهِ دَفْعًا لهذا الشر.