قَوْلُهُ: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا) وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذِهِ الْمَعِيَّةِ، الْمَعِيَّةُ بِالْحِفْظِ وَالنُّصْرَةِ وَالْحِرَاسَةِ وَالْمَعُونَةِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شَرَكَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ فِي هَذِهِ الْمَعِيَّةِ، فَإِنْ حَمَلُوا هَذِهِ الْمَعِيَّةَ عَلَى وَجْهٍ فَاسِدٍ، لَزِمَهُمْ إِدْخَالُ الرَّسُولِ فِيهِ، وَإِنْ حَمَلُوهَا عَلَى مَحْمَلِ رَفِيعٍ شَرِيفٍ، لَزِمَهُمْ إِدْخَالُ أَبِي بَكْرٍ فِيهِ، وَنَقُولُ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى، دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ اللَّهُ مَعَهُ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ اللَّهُ مَعَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنَ الْمُتَّقِينَ الْمُحْسِنِينَ، لِقوله تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) [النَّحْلِ: 128] وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْحُصْرُ، وَالْمَعْنَى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا لَا مَعَ غَيْرِهِمْ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ مِنَ الْمُتَّقِينَ الْمُحْسِنِينَ.
وَالْوَجْهُ الثَّامِنُ: فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْمَطْلُوبِ أَنَّ قَوْلَهُ: (إِنَّ اللَّهَ مَعَنا) يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ ثَانِيَ اثْنَيْنِ فِي الشَّرَفِ الْحَاصِلِ مِنْ هَذِهِ الْمَعِيَّةِ، كَمَا كَانَ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ، وَذَلِكَ مَنْصِبٌ فِي غَايَةِ الشَّرَفِ.
الوجه التَّاسِعُ: أَنَّ قَوْلَهُ: (لَا تَحْزَنْ) نَهْيٌ عَنِ الْحُزْنِ مُطْلَقًا، وَالنَّهْيُ يُوجِبُ الدَّوَامَ وَالتِّكْرَارَ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَحْزَنَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ ألْبَتَّةَ، قَبْلَ الْمَوْتِ وَعِنْدَ الْمَوْتِ وَبَعْدَ الموت.