وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا تَعَسُّفٌ بَارِدٌ، لِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَاكَ كَوْنُهُ تَعَالَى مَعَ الْكُلِّ بِالْعِلْمِ وَالتَّدْبِيرِ، وَكَوْنُهُ مُطَّلِعًا على ضمير كل أحد، أما هاهنا فَالْمُرَادُ بِقوله تَعَالَى: (ثانِيَ اثْنَيْنِ) تَخْصِيصُهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فِي مَعْرِضِ التَّعْظِيمِ وَأَيْضًا قَدْ دَلَّلْنَا بِالْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى أَنَّ كَوْنَهُ مَعَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَاطِعًا بِأَنَّ بَاطِنَهُ كَظَاهِرِهِ، فَأَيْنَ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ مِنَ الْآخَرِ؟
وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ: مِنَ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَا جَاءَ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا حَزِنَ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟
وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مَنْصِبٌ عَلِيٌّ، وَدَرَجَةٌ رَفِيعَةٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّوَافِضَ فِي الدِّينِ كَانُوا إِذَا حَلَفُوا قَالُوا: وَحَقِّ خَمْسَةٍ سَادِسُهُمْ جِبْرِيلُ، وَأَرَادُوا بِهِ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلِيًّا، وَفَاطِمَةَ، وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، كَانُوا قَدِ احْتَجَبُوا تَحْتَ عَبَاءَةٍ يَوْمَ الْمُبَاهَلَةِ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ وَجَعَلَ نَفْسَهُ سَادِسًا لَهُمْ، فَذَكَرُوا لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ الْوَالِدِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْقَوْمَ هَكَذَا يَقُولُونَ، فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَكُمْ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: «مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا»
وَمِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ هَذَا أَفْضَلُ وَأَكْمَلُ.
وَالْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ أَبَا بَكْرٍ بِكَوْنِهِ صَاحِبًا لِلرَّسُولِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الْفَضْلِ.