«فإن قيل» : هناك بعض الآيات تثبت أن المجرمين لن يسألوا يوم القيامة كما في قوله تعالى: {وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون} وكما في قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} فكيف نجمع بين هذه الآيات الت تنفي السؤال والآيات التي تثبته كما في قوله: {فَلَنَسْأَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} .
فالجواب، أن في يوم القيامة مواقف متعددة، فقد يسألون في موقف الحساب ولا يسألون في موقف العقاب.
(وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(8)
قال الجمل في حاشيته على الجلالين:
«فإن قلت» : أليس الله تعالى يعلم مقادير أعمال العباد، فما الحكمة في وزنها؟
قلت فيه حكم: منها، إظهار العدل وأن الله تعالى لا يظلم عباده، ومنها: امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا وإقامة الحجة عليهم في العقبى. ومنها تعريف العباد بما لهم من خير أو شر وحسنة أو سيئة، ومنها إظهار علامة السعادة والشقاوة ونظيره أنه - سبحانه -"أثبت أعمال العباد في اللوح المحفوظ وفي صحائف الحفظة الموكلين ببني آدم من غير جواز النسيان عليه".
وقوله تعالى: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} تفصيل للأحكام المترتبة على الوزن، وثقل الموازين المراد به رجحان الأعمال الحسنة على غيرها، كما أن خفة الموازين المراد بها رجحان الأعمال القبيحة على ما سواها.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(42)
وجملة - لا نكلف نفساً إلا وسعها - معترضة بين المبتدأ الذي هو قوله: {والذين آمَنُواْ} وبين الخبر الذي هو قوله: {أولئك أَصْحَابُ الجنة} .
قال الجمل:"وإنما حسن وقوع هذا الكلام بين المبتدأ والخبر، لأنه من جنس هذا الكلام، لأنه - سبحانه - لما ذكر عملهم الصالح، ذكر أن ذلك العمل من وسعهم وطاقتهم وغير خارج عن قدرتهم، وفيه تنبيه للكفار على أن الجنة مع عظم قدرها، يتوصل إليها بالعمل السهل من غير مشقة ولا صعوبة".
وقال صاحب الكشاف:"وجملة {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} معترضة بين المبتدأ والخبر، للترغيب في اكتساب ما لا يكتنهه وصف الواصف من النعيم الخالد مع التعظيم بما هو في الوسع، وهو الإمكان الواسع غير الضيق من الإيمان والعمل الصالح".