قلت: الفائدة فيه أن المراد بقوله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ} ؛ أي: ليكن الدعاء مقرونا بالتضرع والإخبات، وقوله: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} أن فائدة الدعاء أحد هذين الأمرين، فكانت الآية الأولى في بيان شرط صحة الدعاء، والآية الثانية في بيان فائدة الدعاء، وقيل معناه: كونوا جامعين في أنفسكم بين الخوف والرجاء في أعمالكم كلها، ولا تطمعوا أنكم وفيتم حق الله في العبادة والدعاء، وإن اجتهدتم فيهما.
ودعاء المولى حين الشعور بالعجز والافتقار إليه مما يقوي الأمل بالإجابة، ويحول بينها وبين اليأس إذا تقطعت الأسباب، وجهلت وسائل النجاح، والدعاء مخ العبادة ولبها، وإجابته مرجوة حين استكملت شرائطها وآدابها، فإن لم تكن بإعطاء الداعي ما طلبه، فربما كانت بما يعلم الله أنه خير له منه.
{قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60) }
ولم يقل هنا: الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ كما قال في قوم هود فيما سيأتي؛ لأن الملأ من قوم هود كان فيهم من آمن ومن كفر، بخلاف الملأ من قوم نوح، فكلهم أجمعوا على هذا الجواب، فلم يكن أحد منهم مؤمنا.
فإن قيل: سيأتي في سورة هود تقييد قوم نوح بالذين كفروا، فالجواب:
أن ما سيأتي في دعائهم إلى الإيمان في أثناء زمن رسالته، فكان فيهم من آمن ومن كفر، وأما ما هنا فهو في أول دعائه لهم.
{قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) }
وإنما قال: {لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ} ولم يقل: ليس بي ضلال؛ لأن نفيها أعم من نفي الضلال؛ لأن ضلالة دالة على واحدة غير معينة، ونفي فرد غير معين نفي عام بخلاف ضلال؛ فإنه مصدر يعم الواحد والتثنية والجمع، ونفيه لا يقتضي على سبيل القطع النفي العام، فكان قوله: {لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ} أبلغ في نفي الضلال عن نفسه من قوله: ليس بي ضلال.
و (لكن) جاءت هنا أحسن مجيء لأنها بين نقيضين؛ لأن الإنسان لا يخلو من أحد شيئين: ضلال وهدى، والرسالة لا تجامع الضلال.
{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65) }