ثم أخبر عن إيضاح السبيل وإيضاح الشكر بقوله تعالى: {قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ} [الأنعام: 104] ، إلى قوله: {بِوَكِيلٍ} [الأنعام: 107] ، الإشارة فيها: إن الله تعالى أعطى لكل عبد بصيرة؛ لقلبه يبصر بها الحقائق المودعة في الغيوب، والكمالات المعدة لأرباب القلوب، كما أعطى بصراً لقالبه يبصر به الأعيان في الشهادة، وما أعد لهم فيها من المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح، فقد قال تعالى: {قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ} [الأنعام: 104] ، يعني: من نظر ببصر البصيرة إلى المراتب العلوية الأخروية الباقية والبصر كمالات القرب، وما أعد الله: مما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيشتغل تحصيله ويقبل على الله بسلوك سبيله، ويعرض عن الدنيا الدنية، ويترك زينتها وشهواتها الفانية، فكذلك تحصيل سعادة وكرامة لنفسه، {فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] .
{وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} [الأنعام: 104] ، يعني: من عمي عن النظر بالبصيرة عن هذه الكمالات لمَّا أبصر ببصر القلب إلى الدنيا وزينتها واستلذ بشهواتها، واستحلى مراتعها الحيوانية، فعميت بصيرته، {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46] ، فذلك تحصيل شقاوة وخسارة على نفسه، {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} [الأنعام: 104] ، أحفظكم عن هذه الشقاوة، وأبلغكم من غير اختياركم وصدق طلبكم إلى تلك السعادة المعدة للسعداء.