والله أعلم.
ثم أخبر عن هذا الكتاب أنه مبارك على أولي الألباب بقوله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} [الأنعام: 92] ، الآيتين الإشارة فيهما أن هذا الكتاب أنزلناه مبارك على العوام بأن يدعوهم إلى ربهم وعلى الخواص بأن يهديهم إلى ربهم وعلى خواص الخواص بأن يوصلهم إلى ربهم ويخلقهم بإضافة وفي كتاب المحبوب شفاء لما في القلوب كما قيل وكتبك حولي لإنفاق مضجعي وفيها شفاء للذي أنا كاتم {مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} [الأنعام: 92] ، يعني حقائقه جميع حقائق ما في الكتب الذي أنزلت قبله مستوعباً للتخلق به {وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى} [الأنعام: 92] ، وهي الذرة المودعة في القلب من تحتها {وَمَنْ حَوْلَهَا} [الأنعام: 92] ، من الجوارح والأعضاء والسمع والبصر والفؤاد والصفات والأخلاق بما يتنوروا بأنواره وينتفعوا بأسراره ويتخلقوا بأخلاقه {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [الأنعام: 92] ، يعني ما هو توجهه إلى الآخرة الباقية في أمور الدنيا والآخرة لا للدنيا الفانية وشهوات النفس، وهو لها فقراً من القرآن وتنور بأنواره وانتفع من أسراره {وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [الأنعام: 92] ، يعني على الترقي من صفاتهم وأخلاقهم إلى الاتصاف بصفات الحق والتخلق بأخلاقه يداومون فإن الصلاة معراج المؤمنين {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً} [الأنعام: 93] ، يعني الذين يراءون في التأوه والزعقات وإظهار المواجيد والحالات لهم من الله خطرات ونظرات وليس لهم منها نصيب إلا الزفرات والحسرات والمتشبع بما لم يملك كلابس ثوبي زور، وفي معناه انشدوا:
إذا انسكبت دموع في خدودٍ ... تَبَيَّنَ من بكى ممن تباكى