ثم أخبر عن قهره بالعدل لمن لم يكن قابلاً للفضل بقوله تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 61] ، إلى قوله: {وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} [الأنعام: 62] ، بالإشارة فيها أن القهر من وصف الجلال هو مشرب الأولياء، فيعبر عنه بالقاهرية، وما كان وصف الجبروت فهو مشرب الأعداء فيعبر عنه بالقهارية كقوله تعالى: {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16] ، وقال تعالى من وصف الجلال {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18] ؛ أي: يقهر نفوس العابدين بخوف عقوبته، ويقهر قلوب العارفين بسطوة شهود جماله، ويقهر أرواح المحبين بكشف سلطان جماله والمحب بلا روح لاستيلاء سلطان أفعاله والعارف بلا قلب لاستيلاء سلطان جماله والمحب بلا روح لاستيلاء كشف جلاله عليه والواصل مستهلك في عين حقيقته، فمتى أراد الحق تعالى تكميل عبد من عباده يرسل عليه حفظه من صفات قهره، كما قال تعالى: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} [الأنعام: 61] ، حتى لو أراد نفسه الخروج عن قيد مجاهدتا قهرته سطوات العتاب، فردته إلى بذل الجهد ومتى أراد قلبه فرجة من مطالبته القربة قهرته صدمات الهيبة فردته إلى توديع البهجة، ولو أراد روحه استرواحاً من الحرمات قهرته بواردات التجلي فردته إلى بذل المبهجة، كما قال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} [الأنعام: 61] الموت يعني: الفناء عن أوصاف الوجود {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} [الأنعام: 61] ، صفات قهرنا {وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} [الأنعام: 61] ، في إفناء الأوصاف فشتان بين عبد مقهوراً بأفعاله وبين عبد مقهور بجماله وجلاله {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ} [الأنعام: 62] ، يعني: أهل الفناء يردون إلى بقاء الله وهم الباقون بالله {مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ} [الأنعام: 62] ، أي قائمون {أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ} [الأنعام: 62] ، فيما يتولى مصالح دينهم ودنياهم بلا هم وَهُوَ