تعلموا ما هي، إِنما أعطيها نَبِيكم - صلى الله عليه وسلم - من كنز تحت العرش، ولم يعطها أحد قبل نبيكم وما بت ليلة قط حتى أقرؤها ثلاث مرات، أقرؤها فِي الركعتين بعد العشاء الآخرة، وفي وِتْرِي، وحين آخذ مضجعي من فِراشي.
والسر - والله أعلم - فِي طردها الشيطان فِي جميع الأوقات: أن المقصود
منها - كما بينتُه فِي نظم الدرر -: الدلالة على مضمون الآية التي قبلها، من تمام القدرة المستلزم للوحدانية، المستلزمة للإِحاطة بجميع صفات الكمال، مع التصريح بتلك الصفات الثبوتية والسلبية، كلها أو جلها، وذكر الاسم الأعظم، وما يدل عليه فيها عشرين مرة.
فلا جرم أن - من قرأها، فتَنَسمَتْ أنفاسه من تلك القدرة، ضربت على
بيته من سرادقات العظمة، فطردت عنه وعمن شاء الله من جيرانه الشيطان.
وأعْلَتْهُ عن حضيض الآفات، إلى حضرات الرحمن.
وعلى هذا المقصود دلت تسميتها بالكرسي، لأنه على قدر مملكة المَلِك.
تكون قدرته، وعلى حسب قدرته، يكون علوه وعظمته.
وما تقدم من كونها تُقَدِّسُ، مؤيِّدُ لما ذكرت من مقصودها، فإن النطق
آية تمام القدرة، ولما كانت نسبتها بذلك من سائر آيات القرآن، مثل نسبة
الِإنسان من جميع الحيوان، بُيِّنَتْ أبهي البيان، انتظم قوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) .
وروينا فِي"سباعيات"الصيدلاني ومسند الإِمام أحمد، عن أنس رضي
الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سال رجلاً من أصحابه: معك آية الكرسي؟.
قال: نعم. قال: ربع القرآن.
وكذا قال فِي الكافرون والنصر.
وسبب كون هذه الآية ربعاً، لا ثلثاً كالإِخلاص: أنها - وإن أثبتت
الإلهية - لم يُصرح فيها بالصمدية، ولا بنفي الولد والمكافئ، فهي بسورة
"الكافرون"أشبه من حيث إنها داعية إلى الإقبال على صاحب تلك الأوصاف دون غيره.
وسيأتي لهذا فِي"الكافرون"تتمة.