"قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا"ببصركم وتأملوا ببصيرتكم على تأويل النظر بالاعتبار ، وقد يؤول السير أيضا بالاعتبار وبالشيء على الأقدام ، أي اعتبروا وانظروا"كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ 11"أمثالكم إذ أورثهم كفرهم
وتكذيبهم الدمار حتى صارت أطلال بلادهم عظة لمن يمر بها وقصتهم عبرة لمن يتفكر بها ، فيا أكرم الرسل سل كفرة قومك و"قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ"فإن أجابوك بأنها وما فيها ملك للّه فعليهم أن يؤمنوا به لأن المملوك تابع لسيده ، وإن لم يجيبوك فأخبرهم أنت و"قُلْ لِلَّهِ"وحده فإنهم لا يستطيعون أن يجادلوك في ذلك ، لأنهم يعرفون أن أصنامهم مملوكة لا مالكة ويعلمون أنهم وأصنامهم وما تملكه أيديهم للّه يتصرف فيه حسبما يشاء ولا يقدرون أن يقولوا خلاف هذا ، لأنهم يتحاشون عن الكذب وينتقد بعضهم بعضا به ، ومنهم من يقتلون الكاذب كقوم يونس قبل إيمانهم ، قاتلهم اللّه ولا يتحاشون عن الكفر.
ولما بين تعالى كمال قدرته بمخلوقاته أردفه بكمال إحسانه إليهم فقال"كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ"لعباده وهو منجز وعده بها لهم لا محالة وعليهم أن يكونوا أهلا لها ليحلّها عليهم.
مطلب في الرحمة ومعنى كتبها على نفسه المقدسة وأن الضار والنافع هو اللّه تعالى:
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لما خلق اللّه الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي.
وفي البخاري:
إن اللّه كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي سبقت غضبي فهو مكتوب عنده فوق العرش.