وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا تُمْسَحَانِ مَعَ الرَّأْسِ عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأُصُولِ مَسْحٌ مَسْنُونٌ إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ لِلْمَفْرُوضِ مِنْهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَنْ يَمْسَحَ مِنْ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إلَى أَصْلِ السَّاقِ وَالْمَفْرُوضُ مِنْهُ بَعْضُهُ أَمَّا عَلَى قَوْلِنَا فَمِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ وَعَلَى قَوْلِ الْمُخَالِفِ مِقْدَارُ مَا يُسَمَّى مَسْحًا ؟ وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ خَيْرٍ {عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ مُقَدَّمَهُ وَمُؤَخَّرَهُ ثُمَّ قَالَ: هَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} ؛ وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الْمَازِنِيُّ وَالْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ أَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَفَا لَيْسَ بِمَوْضِعٍ مَفْرُوضِ الْمَسْحِ ؛ لِأَنَّ مَسْحَ مَا تَحْتَ الْأُذُنَيْنِ لَا يُجْزِي مِنْ الْمَفْرُوضِ ، وَإِنَّمَا مَسْحُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَلَى جِهَةِ التَّبَعِ لِلْمَفْرُوضِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا لَمْ تَكُنْ الْأُذُنَانِ مَوْضِعَ فَرْضِ الْمَسْحِ أَشْبَهَتَا دَاخِلَ الْفَمِ وَالْأَنْفِ ، فَيُجَدِّدُ لَهُمَا مَاءً جَدِيدًا كَالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فَيَكُونُ سُنَّةً عَلَى حِيَالِهَا.