وَاَلَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ دُخُولِ الْمَرَافِقِ فِي الْوُضُوءِ هُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا ، إلَّا زُفَرَ فَإِنَّهُ يَقُولُ: إنَّ الْمَرَافِقَ غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْوُضُوءِ ؛ وَكَذَلِكَ الْكَعْبَانِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ.
وقَوْله تَعَالَى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَفْرُوضِ مِنْ مَسْحِ الرَّأْسِ ، فَرُوِيَ عَنْ أَصْحَابِنَا فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: رُبُعُ الرَّأْسِ ، وَالْأُخْرَى: مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ ، وَيَبْدَأُ بِمُقَدَّمِ الرَّأْسِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ: (يَبْدَأُ بِمُؤَخَّرِ الرَّأْسِ) .
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ: (يَمْسَحُ مُقَدَّمَ الرَّأْسِ) .
وَقَالَ مَالِكٌ: (الْفَرْضُ مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ وَإِنْ تَرَكَ الْقَلِيلَ مِنْهُ جَازَ) .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: (الْفَرْضُ مَسْحُ بَعْضِ رَأْسِهِ) .
وَلَمْ يَحُدَّ شَيْئًا.
وقَوْله تَعَالَى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} يَقْتَضِي مَسْحَ بَعْضِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الْأَدَوَاتِ مَوْضُوعَةٌ لِإِفَادَةِ الْمَعَانِي ، فَمَتَى أَمْكَنَنَا اسْتِعْمَالُهَا عَلَى فَوَائِدَ مُضَمَّنَةٍ بِهَا وَجَبَ اسْتِعْمَالُهَا عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَجُوزُ دُخُولُهَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ صِلَةً لِلْكَلَامِ وَتَكُونُ مُلْغَاةً ، نَحْوَ (مِنْ) هِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ عَلَى مَعَانٍ مِنْهَا التَّبْعِيضُ ، ثُمَّ قَدْ تَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ وَتَكُونُ مُلْغَاةً وُجُودُهَا وَعَدَمُهَا سَوَاءٌ.