وَإِذَا كَانَ الْإِطْلَاقُ يَقْتَضِي ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ التَّحْدِيدَ فَجَعَلَ الْمَرَافِقَ غَايَةً ، كَانَ ذِكْرُهُ لَهَا لِإِسْقَاطِ مَا وَرَاءَهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ يَنْتَظِمُ الْمَرَافِقَ فَيَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ فِيهَا ؛ إذْ لَمْ تَقُمْ الدَّلَالَةُ عَلَى سُقُوطِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْغَايَةَ لَمَّا كَانَتْ قَدْ تَدْخُلُ تَارَةً وَلَا تَدْخُلُ أُخْرَى ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي دَخَلَتْ الْغَايَةُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} وَوُجُودُ الطُّهْرِ شَرْطٌ فِي الْإِبَاحَةِ ، وَقَالَ: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} وَوُجُودُهُ شَرْطٌ فِيهِ ، وَ (إلَى) وَ (حَتَّى) جَمِيعًا لِلْغَايَةِ وَالْمَوْضِعُ الَّذِي لَا تَدْخُلُ فِيهِ نَحْوَ قَوْلِهِ: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ} وَاللَّيْلُ خَارِجٌ مِنْهُ ؛ فَلَمَّا كَانَ هَذَا هَكَذَا وَكَانَ الْحَدَثُ فِيهِ يَقِينًا لَمْ يَرْتَفِعْ إلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ وَهُوَ وُجُودُ غَسْلِ الْمِرْفَقَيْنِ ؛ إذْ كَانَتْ الْغَايَةُ مَشْكُوكًا فِيهَا.
وَأَيْضًا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ {: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا بَلَغَ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْوُضُوءِ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَيْهِمَا} وَفَعَلَهُ ذَلِكَ عِنْدَنَا عَلَى الْوُجُوبِ لِوُرُودِهِ مَوْرِدَ الْبَيَانِ ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: {إلَى الْمَرَافِقِ} لَمَّا احْتَمَلَ دُخُولَ الْمَرَافِقِ فِيهِ وَاحْتَمَلَ خُرُوجَهَا صَارَ
مُجْمَلًا مُفْتَقِرًا إلَى الْبَيَانِ ، وَفِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا وَرَدَ عَلَى وَجْهِ الْبَيَانِ فَهُوَ عَلَى الْوُجُوبِ.