وإياك أن تفهم أن الطهارة هي للتنظيف ؛ لأن معنى الطهارة لو اقتصر على التنظيف لكانت الطهارة بالماء فقط ، فلماذا إذن نمسح وجوهنا بالتراب؟ إن هذا يوضح أن الطهارة غير النظافة ، فلو قال قائل: سأنظف نفسي ب"الكولونيا". نقول له: لا . ليس هذا هو المطلوب . والله لا يطلب نظافة بهذا المعنى ، ولكن يطلب التطهير . والتطهير يكون بشرط من تدخل عليه - وهو الله سبحانه - وقد وضع الحق لذلك أمرين: إما بالماء وإما بالتيمم بالتراب . فالطهارة تجعل المرء صالحاً ليستقبل ربه على ضوء ما شرع به . والذي يضع الشرط لذلك هو الله وليس أنت أيها العبد . وسبحانه قد أوضح أو العبد يكون طاهراً بالماء أو بالتراب ، وبهذه الطهارة يكون صالحاً لاستقبال الله له . وأعاد الله الإنسان في قربه منه إلى أصل إيجاده وهو الماء والتراب .
{وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} والإنسان مغمور بنعم كثيرة . فهب أن إنساناً غاب عنه أبوه لكن خير الأب يصله كل يوم من مال وطعام وشراب ووسائل ترفيه ، وبذلك يأخذ الإنسان نعمة الغاية من وجود أب له . ومع ذلك يشتاق هذا الإنسان المستمتع بنعمة والده الغائب إلى أن يكون مع والده ، هذا هو تمام النعمة بين الأب والابن وكلاهما مخلوق لله ، فما بالنا بتمام النعمة من الخالق لعباده؟
إن العبد الصالح يتمنى أن يرى مَن أنعم عليه ؛ لذلك وضع الحق شرط الطهارة للقائه . وعندما يحضر الإنسان لحضرة ربه بالصلاة ويكبر:"الله أكبر"فهو منذ تلك اللحظة يوجد في حضرة الله . وإذا كانت الفيوضات تتجلى على الإنسان من نعمة مخلوق مثله سواء أكان أخاً أم أباً أم قريباً وهي نعمة مادية يراها الإنسان سواء أكانت طعاماً أم شراباً أم لباساً . فما بالنا بفيوضات المنعم الخالق الذي أنعم على الإنسان ، إنها فيوضات من غيب ؛ فكرمه لك غيب كالاعتدال في المزاج والعافية ورضا النفس وسمو الفكر .