وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن النية في الوضوء ليست بفرض، لأن الوضوء ليس عبادة مقصودة، ولكنه وسيلة للعبادة، والنية شرط في العبادة نفسها باعتبارها المقصد، وليست فرضا في الوسيلة، بل الوسيلة تتحقق بمجرد تحقق الغسل للأعضاء المذكورة والمسح للرأس، فمن حصل منه هذا، ولو لم يقصد العمل لأجل الصلاة يتحقق الوضوء، ويستدلون على أن الوضوء وسيلة للعبادة بظاهر الآية، إذا كان النص الكريم: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) فهو شرع سبيلا لعبادة ووسيلة، وليس غاية.
والأمر الثاني الذي يفيده ظاهر النص (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) : وهو أن الوضوء واجب عند التهيؤ والقيام لكل صلاة، فالوضوء واجب لكل صلاة، وبذلك قال الظاهرية، فقالوا: إن الصلاة واجبة لكل مفروضة، وأخذوا في ذلك بظاهر النص الكريم، ولكن الثابت في السنة غير ذلك، فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم الفتح مسح على خفيه فصلى الصلوات الخمس بوضوء واحد، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه:"صنعت شيئا لم تكن تصنعه"فقال - صلى الله عليه وسلم: عمدا فعلته". ومعنى ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - فعله عمدا في هذه الجموع الحاشدة ليبين أنه ليس بفرض أن يتوضأ لكل صلاة. فدل هذا على أن"
الوضوء لكل صلاة ليس بمطلوب على جهة الفرضية، وقد ادعى بعض الناس أن الوضوء لكل صلاة كان فرضا ثم نسخ وإن هذا الكلام منقوض؛ لأن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا، ولأن أحاديث الآحاد لَا تنسخ القرآن، ولأن الآية ليست قاطعة في وجوب الوضوء لأجل كل صلاة.
والذي نراه أن الآية في الذين قام بهم موجب الوضوء من إحداث ما ينقض الوضوء السابق، والدليل على ذلك قوله تعالى:
(وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ منكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) فدل هذا بصريح اللفظ على أن موجب التيمم هو إحداث الحدث الموجب للوضوء، إذا لم يكن الماء، فيقوم التراب مقام الماء، وهذا يدل على أنه لَا يكون الوضوء واجبا للصلاة إلا إذا حدث نقض للوضوء السابق، والآية بيان واحد يتمم بعضه بعضا.