والجواب الثاني - أن قوله تعالى: (قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) معناه: تهيأتم لها واستعددتم، يقال: قام للأمر إذا تهيأ له وأخذ الأهبة للاستعداد له، والدخول فيه، ويرشح لهذا المعنى في نظرنا التعدية بـ"إلى"؛ إذ مؤاده استعددتم وتهيأتم متجهين للصلاة، وذلك لَا يكون بأدائها، إنما يكون بأخذ الأهبة لها، والسير إليها.
وإن هذا النص الكريم: (قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) ، وما اشتمل عليه من عبارات يفيد أمرين بظاهره:
أولهما: أن الوضوء، وهو يشتمل على الأركان الأربعة وغسل الوجه واليدين ومسح الرأس، وغسل الرجلين لَا بد فيه من القصد إليه وإرادته، وعلى ذلك تكون نية الوضوء بالقصد إليه لأجل الصلاة، باعتبار أن قصده لأجل الصلاة، لَا للنظافة ونحوها - لَا بد منها لتحقق الوضوء لأنه للتهيئة لأجل الصلاة.
وقد قال مالك والشافعي؛ وأحمد والليث بن سعد؛ وإسحاق بن راهويه، وأئمة آل البيت: إن النية ركن من أركان الوضوء ومعناها القصد إلى الصلاة بالوضوء طالبا رضا الله تعالى، وقد فسرها البيضاوي بقوله:"النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالا أو مآلا، والشرع خصصه بالإرادة المتوجهة نحو الفعل لابتغاء رضا الله تعالى، وامتثال حكمه".
وعلى ذلك تكون النية المطلوبة في الوضوء عند الذين قرروها - القصد إلى الوضوء مبتغين رضا الله تعالى، ويستدلون على فرضيتها في الوضوء بأن الوضوء عمل من أعمال القربات، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه".