ابن عرفة: قالوا: وهل في الآية اللف والنشر أم لَا على مذهب السكاكي ففيها النشر واللف بالانتقال عن الخطاب المعنوي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) إلى الغيبة، بقوله (شَعَائِرَ اللَّهِ) ، ولم يقل: شعائرنا، وإما على مذهب غيره فليس بلف ولا نشر، ووجه اللف والنشر فيها أن اسم الجلالة فيه تعظيم للشعائر وتفخيم لها بخلاف ما لو قال. شعائرنا.
قوله تعالى: (وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ) .
قال ابن عرفة: اختلفوا فيمن حلف أنه يصوم الأشهر الحرم، فقيل: تجزئة صومها من عام واحد، وقيل: لَا يصومها إلا من عامين عملا بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حجة الوداع:"السنة اثنا عشر شهرا أربعة حرم: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب"انظر فبدأ بذي القعدة فدل على اعتبار كونها في سنتين.
قوله تعالى: (وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ) .
إن أريد بالهدْي العموم؛ لأن منه ما يقلد وما لَا يقلد، فالإبل والبقر تقلد بلا خلاف، والغنم عندنا لَا تقلد، وعند غيرنا تقلد فيكون من عطف الخاص على العام،
وقيل: (الْقَلَائِدَ) ما يتقلد من الثياب من خرج من الحل برسم الحاج علامة على إحرامه، وقيل: ما يتقلد به من خرج من الحرم في حوائجه من ثياب الحرم.
ابن عرفة: فإن قلت: كيف يتقلد بثياب الحرم وقد قال في الحديث في مكة: أنها حرام لَا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها؟، فالجواب: أنه يتقلد بما نبت فيه من الريح لا بما ينبت بنفسه.
قوله تعالى: (وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) .
ابن عرفة: الألف واللام للعهد للبيت هو إما عهد سابق في الزمن، أو عهد معلوم بالسياق، وسميت حراما إما لحرمة بانيها، أو تعظيمه إياها، وإما لأنها في الحرم مع أن الحرم إنما سمي حرما لأجلها، قال: وعظم البيت هنا محصل قصد الحاج، وقال في الحديث: معظم"الحج عرفة"وهذه الآية اقتضت أن معظمه البيت الحرام، فأجاب بوجهين وباعتبارين: معرفة معظم الحج من ناحية أن له زمنا معينا يفوت بفواته، والبيت معظمه لأجل الطواف به دائما، ولأجل أن من مرض في الحج يؤجله إلى أن يبرأ، ولأجل أنه يقصد في الحج والعمرة، فله عبادتان بخلاف عرفة.