قيل لابن عرفة: نقل بعضهم عن سيدي الشيخ الفقيه الصالح أبي محمد عبد الله المرجاني كان يقول: هنا فعل الطاعات سبب في تحليل الطيبات، كما أن المعاصي والمخالفات سبب في تحريم المحرمات، قال تعالى (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) قالوا: فالعقود سبب في تحليل هذه الأشياء، فقال ابن عرفة: إنما يصح هذا لو كان خيرا وليس كذلك، بل هو أمر بالوفاء يحتمل الامتثال وعدمه، وأكثر النَّاس عصاة لَا يمتثلونه، قلت: وذكرته لشيخنا أبي الحسن محمد بن أحمد المطرفي، فقال: إنما سمعت أنا عن المرجاني أنه كان ما نصه قوله (أُحِلَّتْ لَكُمْ) بعد قوله (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) تشديد وتشبيه على عدم المبالاة بالجاني في عقوبته على عدم الوفاء كأنه يقول: أما بهيمة الأنعام حلال لكم تسخرونها كيف شئتم وتعذبونها بالذبح والنحر متى شئتم من غير معصية منها لكم في أمر أو نهي، ولا يسمون بقتلها جائرين، وكل حكم فيها عدل، فإن كان هذا وصفكم مع أملاككم التي ملكناها لكم فكيف وصفنا معكم، وملكنا لهم بالاختراع لَا بالتمليك، و (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) فإني لَا أبالي بعقوبة من خان ولا بثواب من أوفى وأنتم لتمام ما
تصنعونه بأملاككم ولا شعورها به قبل وقوعكم، ونحن من صفتنا الكرم حذرناكم من عقابنا قبل وقوعه واسيناكم بجميل إحساننا على قيامكم بأحكامنا مع اتصافنا بالعدل، ولا استحقاق لكم علينا خلقنا من شئنا منكم للخير، وخلقنا من شئنا منكم للشر، وإياكم والعبث علينا في أحكامنا فيكم بها عدل، وإياكم وطلب التعليل وسوء الأدب (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) ، انتهى.
قيل لابن عرفة: كيف هذا التحليل؟ وهل كانت محرمة أولًا؟ فقال إن قلت: إن الأشياء كانت على الحصر فظاهر، وإن قلنا إنها على الأرجح، فالسؤال وارد؛ لأنه لا فائدة فيه، قيل به: وكذلك إن كانت على الحصر؛ لأن هذه السورة مدنية من آخر ما نزل، وقد كانت هذه الأشياء حلال في أول الإسلام، فأجاب بوجهين:
الأول: إشارة إلى ما كانت عليه الجاهلية من تحريم السائبة والوصيلة والبحيرة والحامي، فاقتضت هذه الآية تحليل ذلك كله للمسلمين.