المعنى وآتيناه الإنجيل هَادِياً ومُصَدِّقًا، لأنَّهُ إِذا قيل آتيناه الِإنجيل فيه هدى، فالذي أتى بالهدى هو هادٍ والأحسَنُ أنْ يكونَ على معنى وقَفَيْنَا بِعِيسَى آتِياً بالِإنْجيل وهادياً ومصدقاً لما بين يديه من التوراة، والدليل على أنه من صفة عيسى قوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ) .
وقوله: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) .
قال بعضهم: الشَرعَةُ الدينُ والمنهاج الطريق، وقيل: الشرعة والمنهاج
جميعاً الطريق، والطريق ههنا الدين، ولكن اللفظ إِذا اختلف أتِي مِنْهُ بألفاظ
تُؤَكدُ بِها القصة والأمر
نحو قول الشاعر:
حُيِّيتَ مِن طللٍ تقادم عهدُه... أقوى وأقفر بَعْدَ أمِّ الْهَيْثَم
فإِن معنى أقوى وأقفر يدل على الْخَلْوَةِ، إِلا أن اللفظين أوكد في الخُلوِّ
من لفط واحد.
وقال أبو العباس محمد بن يزيد: (شرعة) معناها ابتداءُ الطريق.
والمنهاج الطريق المستَمِر، قال: وهذه الألفاظ إِذا تكررت في مثل هذا
فللزيادة في الفائدة، قال وكذلك قول الحطيئة:
ألا حَبَذَا هِنْدٌ وَأرْضٌ بها هندُ... وَهِنْدُ أتى مِنْ دونها النَّأْيُ والبُعْدُ
قال: النَّأْيُ لكل ما قل بعده منك أوْ كثرَ، كأنَّه يقول:
النأي المفارقة قلَّت أو كثرتْ، والبُعْدُ إِنَّمَا يسْتَعْمَلُ في الشيء ِ البعيد
ومعنى البعيدِ عندَه ما كَثرتْ مسافةُ مُفَارقَتِه، وكانَّهُ يقُول لِمَا قرب منه هو ناءٍ عني، وكذلك لما بعُدَ عنه، والنأْي عنده المفارقة.
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(57)