فأعلم اللَّه عزَّ وجلَّ أن الصحيحَ الإيمانِ لا يخاف في نصرة الدين بِيدِه ولا
لِسَانِه لَوْمَةَ لَائِم.
ثم أعلم الله عزَّ وجلَّ أن ذلك لا يكون إلا بتسديده
وتوفيقه فقال عزَّ وجلَّ: (ذَلِكَ فَضلُ اللَّهِ يؤتيهِ مَنْ يَشَاءُ) .
أي محبتهم لِلَّهِ ولين جانبهم للمسلمين، وشدتهم على الكافرين فضل
من اللَّه عزَّ وجلَّ عليهم، لا توفيق لهم إِلا به عزَّ وجلَّ.
وقوله: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(55)
بيَّن من هم المؤمنون فقال: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ) .
وإِقامتها تمامها بجميع فَرْضِها، وأولُ فروضها صحة الِإيمان بِها وهذا
كقولك: فلان قائم بِعِلْمِه الذِي وَليَه، تأويله إنَّه يوَفَي العَمَلَ حقوقه، ومعنى
"يُقِيمُونَ"من قولك هذا قِوام الأمر، فأما قوله: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) . فمخفوض على نعتِ قوم، وإن شئت كانت نصباً على وجهين أحدهما الحال، على معنى يحبهم ويحبونة في حال تذللهم على المؤمنين وتعززِهِم عَلى الكافرين، ويجوز أن يكون نصباً على المدح.
فأما قوله عزَّ وجلَّ: (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) .
أي قفينا على آثَارِ الرسل بعيسَى أي جعلناه يقفوهم.
وقوله: (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ) .
أي لما تَقَدًم من التوراة، ونصب"مُصَدِّقًا"على الحال وهو جائز أن
يكون من صفَةِ الِإنجيل فهو منصوب بقوله:"آتيناه"
المعنى. آتيناه الإنجيل مُستقِراً فيه هدًى ونورٌ ومصدقاً.
ويجُوزُ أن يكونَ حالًا من عيسى.