فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 517

[المقدمة الثانية] اعلم أن الاستدلال على أربعة أضرب. الأوّل الاستدلال بالسبب على المسبب كالاستدلال بمس النار مثلا على احتراق الممسوس. الثاني عكسه وهو الاستدلال بالمسبب على السبب كالاستدلال باحتراق الشيء مثلا على مس النار له، ومنه الاستدلال بوجود الأثر على وجود المؤثر. الثالث الاستدلال بأحد مسببي سبب واحد على المسبب الآخر كالاستدلال بغليان الماء المركب في آنية على النار مثلا على حرارته، فإن غليانه وحرارته مسببان على سبب واحد وهو مجاورة النار. الرابع الاستدلال المتلازمين على الآخر كالاستدلال بوجوب كونه جل وعلا عالما على وجوب قيام العلم به، ومنهم من رد ّ هذا إلى القسم الثاني وهو الاستدلال بالمسبب على السبب وحصر الاستدلال في الثالثة الأول، فاذا عرفت هذا فالذي يصلح من هذه الأنواع لمعرفته تعالى النوع الثاني والرابع. أما الأول وهو الاستدلال بالسبب على المسبب فمحال في حقه تعالى لوجوب وجوده فيستحيل أن يكون له سبب، وبعين هذا يبطل في حقه القسم الثالث.

هذا المقال دفعا لعدم توهم الجواز في كل، والمراد بالمطيع ما قابل الكافر فيشمل العاصي ... (قوله المقدّمة الثانية الخ) المناسب لقوله سابقا المقدّمة الأولى في كذا أن يقول هنا المقدّمة الثانية في أضرب الاستدلال اعلم الخ (قوله الاستدلال بالسبب الخ) نحو هذا الخمر شربه حرام لإسكاره فقد استدل بالسبب وهو الاسكار على المسبب وهو الحرمة ونحو هذا الثوب محترق لمماسة النار له وهذه طريقة الفقهاء والأصوليين وإن جعلت العلة حدّا وسطا كان قياسا منطقيا فنقول الخمر مسكر وكل مسكر حرام وهذا الثوب مسته النار وكل ما مسته النار فهو محترق، ويسمى هذا الدليل عند الأصوليين قياس العلة وعند المناطقة البرهان اللمي لأن الحدّ الأوسط فيه يصلح جوابا للسؤال بلم، فاذا قيل لم كان الخمر حراما فيقال لأنه مسكر (قوله كالاستدلال باحتراق الشيء الخ) فنقول هذا الجسم مسته النار لاحتراقه وإن جعلت المسبب حدّا وسطا كان قياسا منطقيا فنقول هذا الجسم محترق وكل محترق مسته النار ينتج هذا مسته النار وهذا يقال له برهان إني ّ لأن الحد ّ الأوسط فيه يفيد إنية النسبة: أي تحققها (قوله ومنه الخ) وهذا شأن أهل هذا الفن وذلك كقولك العالم صنعة وكل صنعة لها صانع ينتج العالم له صانع فالأثر كالعالم والمؤثر كالمولى فالمولى يقال له سبب ومؤثر (قوله بأحد مسبب الخ) فاذا كنت عالما بالغليان دون الحرارة لبعدك عن الماء مثلا فنقول كلما وجد الغليان وجدت المجاورة للنار وكلما وجدت مجاورة النار وجدت الحرارة ينتج كلما وجد الغليان وجدت الحرارة فقد استدل بأحد المسببين على وجود المسبب الآخر وهذا القسم مأخوذ من القسمين قبله لأنك تقول كلما وجد هذا المسبب وجد سببه وكلما وجد ذلك السبب وجد المسبب الآخر وبالعكس (قوله فإن غليانه الخ) فيه أن الغليان مسبب عن الحرارة القوية المسببة عن مجاورة النار فالاستدلال بالغليان على وجود

الحرارة من الاستدلال بالمسبب على السبب لكن هذا بحث في مثال وهو لا يضر (قوله وبعين هذا الخ) أي وبالعلة التي قيلت في الأوّل يبطل الثالث، فيقال في بطلانه أنه ليس هناك سبب أثر في الله عز وجل وفي غيره حتى يستدل بذلك المسبب الآخر على الله لأنه لوجوب وجوده يستحيل أن يكون له سبب مؤثر فيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت