والجواب الثالث: أن الخليل ما كان شاكاً فيما التمس ظاهراً؛ ولكنه أرى نفسه مشككاً تعللاً لسؤال المرام في ثناء الكلام، فكذلك الرب تعالى ما كان شاكاً في مقصود الخليل المضمر في سؤاله؛ ولكنه أجاب تشككه في إراءة نفسه كالمتشكك في المقصود والمضمر في سؤاله وقال: {أَوَلَمْ تُؤْمِن} يعني بما طلبت من الإحياء وتغافل عن مرام الجليل من كلامه مجيباً فيما صنع.
وأما المعاني الثلاثة: فالأول: أنه أضمر معنى الإثبات في لفظه النفي قال: {أَوَلَمْ تُؤْمِن} أي: بل تؤمن، كقوله:
{أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] أي: أنا ربكم، والثاني: أنه درج فيها معاني جواز الرؤية يعني {أَوَلَمْ تُؤْمِن} بأني أرى يوم الميعاد، فتراني أنت أيضاً، فتتضمر في سؤالك طلب رؤيتي.
والثالث: أنه أحيى فيها معنى معالجة الخليل بالبصر يعني: {أَوَلَمْ تُؤْمِن} بإنجاز وعدي لك بالرؤية فاصبر فإن الميعاد لخواص العباد، ثم قال الخليل في الاستفهام للمبالغة في تحصيل المرام: {بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} عن الاستفهامات ببلى السر بالسر، وقرر المضمرات في السؤال بقوله: {وَلَكِن} يعني ولكن مع الحديث اعلم واضمر في لفظه: {لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} ضرورات السؤال وحقائقها إضمار بإضمار، فأما الجواب عن الاستفهام الأول في جواب المفهوم الأول منه طلب الأحياء، ومعنى الاستفهام أي: ما آمنت عند نمرود بأني أحيي وأميت قال: {بَلَى} وكان إيماني حقيقياً، ولكن كان مقصودي من السؤال عن إحياء الموتى الإيمان والإيقان، فإنه حاصل لي ولا إحياء الموتى، فإني فارغ من الموتى وإحيائهم ولي اضطراب قلبي بمثل هذه الأشياء حتى تطمئن، وإنك تعلم ما نريد.