كما قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} أي: نحن فضلنا، فلكل واحد من أهل الفضل أنوار ولأنوارهم آثار فمنهم من هو أعلى نوراً وأتم في الرفعة وقوراً فرفعه درجاتهم وعلو مقامهم على قدر استعلاء أضواء أنوارهم لا على قدر سعيهم واختيارهم، وهذا التفاوت صادر من تلك الأقسام حين جرت به الأقلام.
كما قال: صلى الله عليه وسلم"إن الله خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل"فلذلك أقول حق القلم على علم الله فلما خلق الله تعالى استعداد وجود العباد والمقبولين قابلاً لفيض نوره استخصهم بفضل عام وفضل خاص فأما العام: فبما خصهم عن الخلق المردودين بفضل قبول فيض النور فأخبر عنهم بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الْحُسْنَى} [الأنبياء: 11] .
وأما الفضل الخاص: فبما خص بعضهم عن بعض بزيادة كماليته استعداد الوجود في قبول فيض النور فإن التفاوت في الأنوار على قدر التفاوت في الظلمات المخلوقية المستعدة لقبول فيض النور في بدء الخلقة لا في حقيقة النور فإنه موصوف بالوحدة لا تعدد فيه ولا في تفاوت بالزيادة والنقصان، وإن التعدد والتفاوت في الحقيقة راجع إلى الظلمة لا إلى النور؛ ولهذا ذكر الله تعالى النور في مواضع من القرآن بفلظ الواحد أن {يُخْرِجُهُمْ مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [المائدة: 16] وأمثالها كثيرة فافهم جداً.