تُعَيِّرُنا أَنا قَليلٌ عَديدُنا ... فَقُلتُ لَها إِنَّ الكِرامَ قَليلُ
وَما ضَرَّنا أَنّا قَليلٌ وَجارُنا ... عَزيرٌ وَجارُ الأَكثَرينَ ذَليلُ
وإنما لم ينل المدعون مقصدوهم؛ لأنه لم يخلص بالحق لله مقصودهم، ولو أنهم قالوا ما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أمرنا ربنا وأوجب القتال علينا وإنه سيدنا ومولانا، فالله صدق دعواهم وأعطى مناهم وأكرم مثواهم، كما قال قوم من السعداء في أثناء التضرع والبكاء بالنفس الصعداء: {وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ} [المائدة: 84] ، لا جرم {فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [المائدة: 85] ، {كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 29] على قدر ظلمهم {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [الجمعة: 7] .
ثم أخبر عن إجابة سؤالهم وبعد الإجابة بين مع النبي أحوالهم وأخلاقهم وأفعالهم بقوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً} [البقرة: 247] ، والإشارة فيها أن الحكمة الإلهية الأزلية جلت وتجلت جلباب تعاليها عن أن تكون العقول القاصرة الخلقية مدركة لكل معنى من معانيها وأنه ليس العجب في أن العقول البشرية المشوبة بظلمة الهوى والغضب كبني إسرائيل حارت عند سماع قوله: {إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً} حتى