ثم أخبر أن نفع جهادهم إلى أنفسهم وقال تعالى: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} [العنكبوت: 6] ، فإن جبنوا وخالفوا الأمر وفروا من محل مشقة المجاهدة وأعرضوا عن طلب الحق واتبعوا الهوى واشتغلوا بالشهوات واللذات فلا يبتليهم الله بموت القلب بل ولعمري لو لم يمت قلوبهم ما أعرضوا عن الحق في طلب الباطل وفي قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} [غافر: 61] ، والإشارة أن الله تعالى بفضله وكرمه أحيا قلوب المؤمنين بنور الإيمان قال تعالى: {أَوَمَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} [الأنعام: 122] ، فقليل منهم أقدموا على أداء شكر الإيمان بالقيام في الأوامر والنواهي كما هو الواجب فاستحقوا بذلك المزيد كما قال تعالى: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13] ، وأكثرهم كفروا بنعمة الإيمان، وركنوا بالخذلان في مخالفة الرحمن فكذبوا بحرمان الجنان وأغرقوا في بحار العصيان، وفي قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 244] ، إشارة إلى أن إحياء القلوب الميتة مضمر في قتل النفس الأمارة كما قال تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154] يعني: قتلوا أنفسهم ولكن الله أحيى قلوبهم وأرواحهم فقاتلوا في سبيل الله مع نفوسكم، فإنها أعدى عدوكم واعلموا أن الله سميع دعائكم وتضرعكم إليه في الاستغاثة به والاستعانة، به على قتل نفوسكم وإحياء قلوبكم كما سمع دعاء نبيهم عليه السلام في إحياء قومه عليم بصدق نياتكم وبذل جهدكم في جهادكم فيعينكم على قتل نفوسكم ويحيي بأنوار فضله قلوبكم.